Friday, June 10, 2016

عرج

Emanuele Toscanتصوير




- متى أصيبت بالعرج؟
- لا أعتقد أنها تعرج.
- أنت أحمق..انظر جيدا..لا..لا..لعلك محق ربما تكون مجرد كدمة خفيفة في الساق أو بطن القدم.
- سيرها ليس طبيعيا..لكنه ليس عرجا ولا كدمة.
-  أنت تكذب..لم تر ساقيها من قبل.
- تخيلتهما..جميلتان..لديها أيضا بطن قدم لو بدأت في تقبيلها لن تكف عن الأمر طيلة حياتك.
- سأغمض عيني قليلا وأتخيل..أووه..وجسد يزداد تألقا أيضا..لكن هذا العرج يؤرقني.
- قلت لك ليس عرجا..هو مرض نادر أصيب به ابن أخ لي من قبل..يسمى مرض القدم التائهة، يصاب به من يفلت من العرج.
- أنت لست طبيبا حتى..كف عن الهذيان.
- لا لكن الطبيب شخص مرض ابن أخي هكذا..قال إنه مرض شديد الندرة.
- كنت أظن أنه مرض شائع.
-  شائع لكن كي تلحظه عليك أن تكون مجنونا بعض الشيء. لذا فهو شديد الندرة. كنت أعلم أنه مجنون.
- من؟ ابن أخيك؟
- لا..الطبيب.
- لذا لا أثق باثنين..النساء والأطباء.
- ماذا نفعل الآن؟
- فلندخن قليلا..وننتظر عبور أول عرجاء حقيقية..الأقدام التائهة تفزعني.
- أتمنى أن لا تمر قدم تائهة من هنا.


Thursday, June 9, 2016

كهدايا الآباء ..محبتها ملغمة بالخسارة


لو كنت حريصا على منح مازن أي شيء، لكان إدارك النكتة. السخرية من كل شيء، وأي شيء. من نفسه ومن الآخرين وسخرية الآخرين منه. ربما ظننت أن ذلك سيجعله أكثر قوة وصلابة، النكتة وحدها ستخفف من أثر العالم كمآساة. وأنا كأي أب أتمنى له حياة سعيدة، لاهية تتمتع بالكثير من اللطف. ربما  أفعل ذلك كاعتذار لكوني سببا في ورطة الحياة  - الأقل بؤسا  إن أدرك النكتة-  أو ربما لازلت أخفي رغبتي الطفولية، في أن أكون محض مهرج، قادر على إضحاك الآخرين، فشلت في أن أصبح خفيف الدم أو فقدت ذلك في الطريق، أن أكون محبوب الجميع..أخسر الصداقات وأكون الأعداء ببساطة شرب الماء والتدخين.. لا شيء يضحكني الآن إلاه، ولا استطيع ومن ثم لم أعد أرغب في أن أضحك أي شخص إلاه، هو جمهور رغبتي السرية الوحيدة الآن. جمهور قوامه طفل يملك أربعة سنوات ونصف. ذلك بائس لأب ظللته الكآبة، وخبر سعيد لطفل.
ابتسامته، ضحكته المجلجلة على أفعالي السخيفة، الأغنيات البلهاء التي نرتجلها سويا، تصنع بيننا الرابطة، فأنا على عكس أمه، لم أنجح في تعليمه كتابة حرف واحد، أو رقم. رغم أني حاولت. ورغم أني-على عكس أمه- أشجعه على الاستهتار بهذا الانضباط المفروض، نضحك خلسة على كل شيء يجعل الأمور جادة أكثر من اللازم. ربما لأن حياتي صارت جادة أكثر من اللازم. فجأة. الآباء طفيليات أبناؤهم.  أتمنى أن تكون هديتي مقبولة ودائمة ومفيدة على أي حال، وأن تتفهم ما يميزها وأن تعرف أنها أيضا أنها كأغلب هدايا الآباء، ملغمة بالمحبة والخسارة.

Wednesday, June 8, 2016

"المنظومة" ..من قصائد الجنرال عبد الفتاح السيسي


من غير ما أقصد
عشان بس نبقى واضحين
مش عايز أقول تشرذم..فكري
لكن الحالة إفرازها
إن مافيش
ماأفرزتش انسجام
وما أفرزتش حالة فكرية لدى الإنسان
وإوعى نتصور إننا ممكن نحل المسألة بالكلام
لا طبعا ماينفعش كده
الإنسان..إمم..يعني
وإلا ماكنتش اتعملت البرامج اللي بتبدأ من سن صغير
يعني..
عشان يعلموهم يحترموا المرور..مابيقولوش احترم المرور
بياخده..وينزله..الشارع
ويوريه إن هو يقف ويستنى العربية لما تعدي
وكده
فالمنظومة ابتدت بعد كده تتوالد جوه نفسها
ومازالوا بيعملوا كده
يعني هو بيضخ كل دم جديد بييجي عنده ويعلمه قيم كتير أوي
آآآه..يعني..
داخل مول كبير ولا حاجة
فالباب مثلا.. ممكن تخش وتزق الباب
فتبص وراك
تشوف حد داخل
تستنى يمسك هو الباب..عشان مايتخبطش منه
وعشان مش من اللياقة..إنك إنت
إوعى..
حتى مادام عندك فرصة إنك تساعده..
ساعده..
الكلام ده معاني بتتشكل في وجدان الناس
معاني بتتشكل في وجدان الناس
اللي هو مايبقاش لوحده
دايما بيخلي باله
بيبص بيعمل إيه
وبعدين لا يمكن
لايمكن مايقولكش إيه؟ اتفضل
لايمكن..مافيش حاجة من غير من فضلك؟..مش هما بيعملوا كده
فاااا...ساعات كنت ألاقي..وأنا داخل
فأقف ألاقي طفل صغير..خمس سنين..ست سنين..مايزيدش
 فأقفله عشان..
زي العادة يعني زي ما بيتعمل مع الكبير يعني..فيقول شكرا..
لو مرة صادفت إنه ماقالش شكرا.. وصادفت
ألاقي والدته وبمنتهى الحسم..تقوله إيه؟..قول شكرا
يعني عايز أقول..مش الكلمة بس
من غير برنامج متكامل يعمل ده..هتقدر تأدي اللي إحنا عايزين نعمله
لكن على الأقل دلوقتي خلوني أقول إيه
ماإنتوا موجودين أهوه..وتقدروا تعملوا ده

يمكن حد يقول إنت بتعمل.. يعني..إنت عايز مننا إيه,
* ألقيت للمرة الأولى في التليفزيون المصري..معا لفهم أفضل لوصايا الحكيم في الخلوة

Saturday, May 30, 2015

حسن أرابيسك "الأصلي"..أو كيف تكره خالقك



أعبر نفق بشارع الأزهر إلى الحسين، ومنه إلى خان الخليلى حيث وجوه البائعين متشابهة ، لكن عبر شارع ضيق يصل بك إلى وكالة القطن بتصميمها العثماني يقع محل "علي حمامة " للأرابيسك وشهرته" حسن أرابيسك"، وهو الرجل الذى استلهم منه أسامة أنور عكاشة قصة المسلسل الشهير في التسعينات.
يقف عكاشة عند لحظة فريدة في التاريخ المصري، عندما قرر السلطان العثماني أن ينقل الموهبة المصرية، ممثلة فى الحرفيين المصريين إلى اسطنبول، و منهم حرفيو الأرابيسك، لكن عائلة حسن النعماني حفظت تلك المهنة عبر العصور، ليطرح سؤال الهوية فيما بعد عبر الفن الذى مارسه الفراعنة والأقباط وتميز فيه المسلمون ..من هم المصريون؟
على حمامة، ضمن عائلات قليلة حافظت على المهنة، تعود جذور عائلة علي حمامة التى توراثت المهنة عبر 18 جدا، إلى 950 عاما مضت، أحد أجداداه هو من صمم أحد كراسي السلطان سليم الأول، المشغول من الأرابيسك
المميز في حمامة أنه أشعل الموهبة من جديد، بعد توقفها لجيل أو اثنين، كانوا صنايعية مهرة أكثر منهم فنانين و أضاف بصمته على فن الأرابيسك، بدمجه لعدد من ثقافات الحضارات الأخرى في أعمالهم.
لكن أين المآساة؟
يعيش حمامة حياة أخرى، الشخصية الافتراضية المرسومة في سكريبت، صارت هى حياته الآن، يكره أسامة أنور عكاشة "الميت" حسبما وصفه، يعتقد أن ثأرا ما لم يتم بينه وبين صانعه، وأنهاه موت عكاشة، شيئا ما لم يجر لصالحه، رغم استفادته القصوى مما حدث لصالح تجارته التى ازدهرت، وأن استفاد عكاشة أكثر من تحويله إلى عمل فنى
يقول :"إنه تعرف عليه في قعدة مزاج، لأن أسامة كان صاحب مزاج، مش لوحدى يعنى"، مشيرا إلى حب حسن فى المسلسل للمخدرات.
اختلف "أرابيسك الأصلي" مع "أرابيسك الافتراضي" في نهاية المسلسل التى قام فيها بتفجير الفيلا بحثا عن الهوية المصرية، فلا يصدق أنه يستطيع أن يفجرعمله بيديه، لصالح أي فكرة مهما كانت، ربما كان يرغب أيضا في أسطورة نقية كالماس، أو على العكس تماما أن يحكي واقعه الحقيقى، لا ما أراد أسامة أن يستوحيه لصالح انتصار أفكاره، ويرغب الرجل في محو خالقه، وأن يكف المتطفلون أمثالي في الحديث عن عكاشة، والبدء في الحديث عن أرابيسك الحقيقي
كرسي السلطان
كرسى السلطان في المسلسل، الذى من المفترض أن جد حسن أرابيسك قد صنعه خصيصا للسلطان سليم الأول، ثم وجده بالصدفة في المسلسل وأضاعه، لا يحب هذا أيضا من عكاشة، لم يضيع شيئا : الكرسى مجرد ورقة في رسمة في كتاب قديم، لا تثبت أن جده هو الصانع ولا تنفى الأمر.
كان جده الأكبر حسن خليل، مدرس فى مدرسة الإلهامية، أحد حضانات الأرابيسك أثناء احتلال الأتراك لمصر و التابعة للباب العالى في الأستانة، مدرسة من عدة مدارس هدفها تعليم حرفة الأرابيسك، و كانت إدارتها بإشراف من الوالى المصري محمد على باشا مباشرة.
الجد حسن خليل اشتهر بالعمل فى القصور و شواهد قبور الأمراء، بينما عمه هو من شغل باب قصر العروبة و باب قصر الدوبارة، و تميز والد و جد على حمامة المباشر بالتمكن من العمل بالخط العريض.
قبل العصر العثمانى الذى نقل فيه موهوبى الشام و مصر من صناع الحرف كأسرى إلى اسطنبول، ظهر ما يسمى بالفنون"السلجوقية" في المنطقة العربية و التى شهدت ازدهارا كبيرا، حيث زينت أعمال"الأرابيسك" في القصور والبيوت و المساجد، و امتازت أشغالها بدقة الصنعة و براعة التنفيذ و جماليات تتواءم مع واقع المعمار فى تلك الأزمنة إلا أنها لازالت مستلهمة إلى الآن" حافظت عائلتنا على الخط الأساسى للمهنة، وإضافاتها تتميز بالحفاظ على الروح الأساسية للمهنة" بحسب حمامة.
حمامة نفذ شغل أرابيسك فى مدخل برج إيفل كما اشتهر بتنفيذه لفنه فى عدد من لوبيهات الفنادق و المطاعم فى أوروبا.

لكن عمله الأهم الذى يفتخر به، هو جامع الشهداء بغزة، يقول حمامة: نتيجة قصف الاحتلال الإسرائيلى، محيت كثير من المساجد الأثرية، جاءت لجنة من اليونسكو لحصر ما تبقى منها، وعندما وجدوا عمله مستخدما الرخام فى تطعيم الأعمال الخشبية فى جامع الشهداء اكتشفوا اختلافا عن العصور التى عرفوها عن الجوامع، فسألوا عن الصانع، و سجلوا عمله في موسوعة اليونسكو.

Friday, November 1, 2013

شيريهان..عودة الجسد المعاقب


أنت لا تعرف حقا، لم عوقب هذا الجسد تحديدا، كل تلك المرات، بتلك القسوة، ولا تعرف من يتوجب عليك أن توجه له السؤال؟  ربما للرب، وربما لأنه فى بيئتنا العربية، يبدو  هذا كعقاب مناسب لجسد يمرح ويرقص ويغنى ويمثل ويحب وينفتح دون خجل على الحياة..لماذا شيريهان، تحديدا؟...لن تعرف.

عرف هذا الجسد العقاب منذ الميلاد، كانت شيريهان، طفلة، عندما أنكر  نسب هذا الجسد إلى الأب،  الذى تزوج من الأم عرفيا، وشككت عائلته بعد وفاته فى النسب، واتهموا الأم بالطمع فى ثروة الوالد، دخلت شيريهان المحكمة فى التاسعة من عمرها، ولم تنل الاعتراف قبل أن تصل إلى السادسة عشر.
فى أوج شبابها، ووهج اقتحامها للمنازل والأحلام، حتى اصطناعها فى التمثيل، لم يؤثر على موهبة هذا الجسد، عندما انقلبت بها عربة على الطريق، وأجرت بعدها سلسلة من العمليات الجراحية،منعتها من الرقص، حتى عادت بقوة أكبر وقدمت مسرحية استعراضية، و30 حلقة من الرقص فى فوازير رمضان.
بعد انتصارها الأول على المرض، ووصولها إلى ذروة أدائها فى فيلمى عرق البلح والعشق والدم، اصيبت بسرطان، أكل من خدها الأيمن، عام 2002، لتظل طيلة السنوات، من عملية جراحية إلى أخرى.
لم يصدق أحد إنها ستعود، لكنها فعلت.
تلك المرة ليست شائعة.
المكياج الكامل، الفوتوشوب الواضح، الذى يخفى ما فعله السرطان بالخد الأيمن، ضربات الزمن، حرصها أن تعاودنا بطلتها القديمة، كما احتفظت بها مخيلة الحنين، يؤكد أنها تلك المرة ستعود حقا إلى الشاشة، وأن خبر بطولتها لمسلسل، ليس مفبركا.
ستقوم شيريهان ببطولة مسلسل "دموع السيندريلا"  الذى تنتجه شركة "كينج توت" من تأليف:محمد الحناوى،وسيعرض فى رمضان القادم.
المكياج،الفوتوشوب المصطنع، لم يخف الحضور والحيوية فى الجسد الذى يقترب من الخمسين، الصور كانت بمثابة راية أمل فى مسيرة الاحباط العام التى نحياها..أمل تجاهل أن الصور انتصرت على أثر السرطان بالفوتوشوب.
هى منهم، من جيل المآساة، الذى انهارت الدنيا تحت قدميه وتبدلت، وهو فى مجده، دون أن يفهم كيف تغيرت ولماذا. مواليد منتصف الستنيات، ربما هى على يقين الآن انها ابنة لجيل ملعون، يصل لقمة وهجه فى الثمانينات، قبل أن يبتلعه الموت المبكر، أو المرض أو نبذ الجمهور، حمى استقطابهم للاعتزال أو الحجاب مرضاة لرب يعتقد أنصاره أن الفن خطيئة، واضطرار من نجا لكشف آرائه التى تبدو خارج التاريخ والزمن، لينهى حياته كمجنون..هم شهب محترقة، نجاتهم الوحيدة علقت بموتهم مبكرا.
جيل ابن التناقضات، ومآساويات التراجيديا الإغريقية، حيث البطل الفاضل أخلاقيا، بمنطق أرسطو يقع فى الخطيئة، فيلتهمه الذنب.
مجدى وهبة، على سبيل المثال، فى أحاديثه المسجلة والنادرة، لم يكن يتحدث الا عن ضرورة الأخلاق، وعن نصائح معلبة لابناء جيله للابتعاد المخدارت، بينما يموت هو صغيرا بسبب جرعة زائدة منها، المفارقة أن أدوراه فى السينما التى اختزلت موهبته الكبيرة،لم تغادر كونه ضابطا يكافح تجارة المخدرات، أو تاجرا يوزعها.. تناقض يشى بمآساته التى تجعله يحيا بين رغبتين: الانفلات من قبضة السلطة الأخلاقية، وبين ادراك هشاشتها والتخوف من خطورة الابتعاد عن خط الانضباط المرسوم،  تخوف يصل إلى حد الترويج لأخلاقيات تلك السلطة وخرقها فى آن.
واذكر فى الكتاب: عماد عبد الحليم وعمر فتحى ومحسن محى الدين وممدوح عبد العليم وعلى الحجار وآخرون، من نجا منهم من الموت، عاش ليختار  موته بنفسه، ونوع السكين الذى يذبح به موهبته،جيل الانتحار الجماعى، الذى جاءت دقات ساعة الألفية الجديد كأنها  قيامتهم، التى تعلن ميلاد ذائقة جديدة، وخصومة ترغب فى الانتقام من تناقضات هذا الجيل.
لكن شيريهان، قماشة أخرى، قماشة قاومت تسرب العفن إلى المخ كما قاومت تسرب السرطان إليه.
جسدها المصبوب للخفة قاوم، ضد معايير  الفترة التى شهدت توهجها الفنى، فالمزاج الذكورى حينها، الذى ناسب صعود الحرفيين إلى أعلى السلم الاجتماعى مكان فئات الموظفين اللذين تحولوا إلى فئات محدودة الدخل، أحلت مقياسها للأنوثة:جسد مترهل وبدين، حتى الممثلون الذكور اللذين اشتهروا بالوسامة فى السبعينات، لم يجدوا طريقة للبقاء أكبر وقت ممكن على الساحة السينمائية، سوى ترك كروشهم تتدلى، وبدا ذلك مناسبا لكلا الطرفين،صناع الموجة الجديدة من السينما،وصناع أفلام المقاولات.
أثناء الثورة، لم نصدق أغلب الفنانين اللذين نزلوا إلى الميدان، سواء للتصوير أو للصراخ السياسى، باستثناء شيريهان، بحسمها وجسدها المنهك، وشعرها المزموم إلى الخلف بتقشف،  يشى بحسمها لاختيارها، وكلماتها التى لا تقبل التأويل، وحتى عندما ارتبك مسار الثورة، لم ترتبك.. كانت تعرف للنهاية فى أى صف تقف.
أحب شيريهان،أو اكرهها، لكن لن يعفيك هذا من تكرار التساؤل: لم هذا الجسد تحديدا؟، وكيف انتصر ؟.وهل يعاقب مرة أخرى على انتصاره الأخير..أم أن اللعنة هى العودة مرة أخرى خلف ستار  الفوتوشوب والمكياج؟.



 نشر  فى موقع المدن

Saturday, August 17, 2013

الرجل العناب..كوميديا الانتقام

 قبل 12 عاما من عرض مسلسل الرجل العناب ،للثلاثى:أحمد فهمى وهشام ماجد وشيكو،كانوا ضيوفا على أمن الدولة،للتحقيق فى الفيلم القصير"رجال لا تعرف المستحيل"،والذى أنتج بجهود ذاتية،وموارد ضعيفة،وبكاميرا فيديو عادية،وبحالة كاملة من الارتجال واللهو الذى لا يهدف إلى أقوال عميقة،قدر ما يهدف إلى اللعب البرىء.
لم يخل هارد ديسك أى شاب فى مصر،من الفيلم الذى انتشر بطريقة جنونية وقتها،وشهد سخرية مبكرة من فيلم "الطريق إلى إيلات"،بما يحمله من إكليشيهات عن حب مصر،وتصوير الدولة لبطولات مخابراتها،الخط الأحمر المخيف والغامض فى تلك الآونة،فضلا عن السخرية من صفوت الشريف،الرجل القوى فى نظام مبارك،الذى كان فى ذلك العام فى أوج نفوذه،قبل أن يبدأ النظام العد التنازلى لنهايته.
أفرج أمن الدولة عن صناع فيلم "رجال لا تعرف المستحيل"،بعد تأكدهم من عدم انتماء أصحابه لأى تيارات سياسية،وهى حقيقة لم تمكنهم من رصد،أن الفيلم،كان تعبيرا عن مزاج جيل العالم الافتراضى والذى يملك رغبة حادة فى الانتقام من صناع خياله القديم،تزامن ذلك مع ظهور فضاءات أخرى للتعبير خارج الإرادة المفروضة بقوة النظام.
في أفلامهم الثلاثة "ورقة شفرة"، و"سمير وشهير وبهير"، و"بنات العم"، لم يتخل الثلاثي عن حالتي اللهو والإرتجال، وعن "الخيال الطازج" في إنتاج الكوميديا التي لا تعترف بخطوط حمراء، بل وتحتفظ بجو "الرخص" الممتع، من دون إغفال جانبي "السبوبة" و"النحت". والأخيران مصطلحان يعنيان فى مصر تأمين التمويل من طريق أعمال فنية تجارية بغض النظر عن القيم المرجوة من خلال اللعبة الفنية. وإن كان غض النظر أو اللاكمال هذا يتحول مع الثلاثي إلى نقطة تميز، تتيح لهم الحفاظ على حالة اللعب.

في أفلامهم الثلاثة كانوا أكثر تمرداً على الخطوط المحفوظة للكوميديا المصرية، ولأول مرة تتم السخرية من أيقونات تكرست على مدى  عشرات السنين، كعبد الحليم حافظ الذي غنى في فيلم "سمير وشهير وبهير" الأغنية الشعبية لسعد الصغير "العنب"، كما تجرأوا على السخرية من المطربة فيروز، مستغلين التشابه، بين اسمها وبين منتج شراب شعير يحمل الإسم نفسه، وظهرت صورة الأم على عكس تصويرها بمثالية في الأفلام المصرية، ذات ماض منحرف أو واقعة في غرام ابنها، بينما قدموا في فيلم "بنات العم"، الأكثر نضجا، نظرة لا تنحاز  إلى الذكورة أو الأنوثة، بل تقف لتحتقر الإثنين معاً، في موقف تتحول فيه ثلاث بنات إلى ثلاثة رجال.

بعد ثلاثة أفلام،أثبت مسلسل الرجل العناب،أن الثلاثة أصدقاء خريجى كلية الهندسة بجامعة القاهرة،واللذين كونوا أثناء فترة الجامعة فرقة "تمر هندى للانتاج الفنى"،لازال لديهم ما يمكن قوله.
تبدو لغة الثلاثى،شفرة لا يفهمها سوى الأجيال الأصغر سنا،بينما لازالت الأجيال الأكبر  تفضل كوميديا مألوفة ومتوقعة كالتى يقدمها عادل إمام،وممثلى الكوميديا المتفرعين من مدرسته كمحمد هنيدى،ومحمد سعد،بينما يبدو ممثل كأحمد مكى والأقرب لما يقدمه شيكو وماجد وفهمى فى نقطة الانتقام،من خيال فترتى الثمانينات والتسعينات،كمفلس قال كل ما عنده فى هذا الصدد،وتائه خارج تلك المنطقة،التشابه والقرب،جاء من جيل تربى على ثقافة أفلام الفيديو المصرية والأمريكية،قبل ظهور الانترنت،وهو ما يبدو ظاهرا فى استعادة هذا الخيال وتحطيمه.
فى الرجل العناب،هناك تجدد واضح وتجاوز لأحمد مكى،فالسخرية لم تعد فقط من الماضى،بل من الحاضر أيضا،فالرجل العناب،الذى يرمز  لعبادة الجماهير للقوة،يتم التلاعب به و الجماهير معه،من قبل الأحزاب السياسية،والشرطة المصرية التى ظهرت فى المسلسل بأقصى درجة ممكن حالات "الفشل" و"الدونية ممثلة فى ضابط فاشل وشدسد البدانة"،فى مقاربات تشبه الواقع الحالى فى اختيارات المصريين عقب الثورة.
لا يبدو المسلسل منحازا لأحد،لا الهامش أو المتن،لا الصواب أو الخطأ،لا يتخذ مواقف،سوى السخرية من كل المواقف،بما فيها أقدسها عند (الثوار،الفلول،التيارات المحافظة،الإسلاميين) ودون أدنى محاولة للتعالى على الرخص الممتع فنيا أو محاولة لتجنبه،لا يسعى لاكتشاف حكمة أو حقيقة،بل هلهلة تلك الحكمة،واظهار "رخصها".
الإيفيهات تتجاوز المقدسات والمكتسبة بعد الثورة،فتسخر من فكرة المتاجرة بالشهداء لدى الجميع،من المليونيات،فى مشهد يعيد استنساخ مليونية بالتحرير لانتظار  صريح الفيل وهو يطير فوق الرجل العناب،بل والمتاجرة بالقضية الفلسطينية كإكليشيه فى أحاديث السياسين وموضوعات الانشاء.
تبدو الكوميديا فى الرجل العناب،ككاسحة ألغام،لا ترتكز على موضوع بعينه،وانما تنتهز الفرص عبر ارتجال المشاهد والفوضى للسخرية من كل شىء،حتى المقدس الدينى،فعندما تطلب نتاشا،ابنة الحارة التى تحب عصفور أو الرجل العناب أن يكمل نصف دينه(أى يتزوج) يجيبها:أنه أكمله فقد بدأ قريبا فى صلاة الجمعة،ويتوقع مخترع الرجل العناب،أن يخترع الليبرالين والشيوعين أبطالا خارقة،بينما يتوقع أن تكون الصفة الخارقة لدى بطل السلفيين هو أن تكون دعوته مستجابة.
إخراج المسلسل المتوسط،الموسيقى الهابطة لعصام كاريكا،التنفيذ البدائى للجرافيك،على عكس تواجدهم فى السينما،تبدو أمورا هامشية،لا يهم نقدها فى ظل حالة الارتجال التى تتملك العمل،والتى تعيد إلى الأذهان بدايتهم قبل 13 عاما،بفيلم انتجوه على نفقتهم،حيث الكوميديا لا تهدف إلا إلى مسخرة كل شىء،دون أن تحدد وجهة لذلك أو غرض سوى اللهو,واستلهام ركاكة المجتمع والتى تبدو الآن فى وطن كمصر،محرك رئيسى للأمور.

نشر  فى موقع المدن

Thursday, July 11, 2013

ابن الوسخة المنتظر

ذات يوم سنصل لتعريف نهائى وشامل لابن الوسخة،هذا التعريف سيساعد ابن الوسخة،على النهوض من مخبأه،وتعريف نفسه بأريحية،أنه ابن الوسخة المنتظر والذى بحثت عنه الجماهير فى هيسيتريا تبادل التهم،سيرتاح الجميع لوجود هذا الرجل الذى قرر أن يرفع الصليب عن الكل،سيقابل باحترام من جميع الدوائر لازاحة هم كونها فى حيز الاتهام انها بنت وسخة.
لن نصبر قليلا،قبل أن نتدافع لنيل اللقب من الرجل،والتشكيك فى كونه ابن الوسخةالوحيد،سنقاتل كى نصير نحن ولاد الوسخة بدلا من اتهام الآخرين،وسيتبناه الفلول والثوار والإسلاميين وسنجد اسمه ووجهه فى اعلانات المياه الغازية وشركات المحمول
وستكون الشرعية الوحيدة المتاحة هى شرعية ابن الوسخة .
سيختفى ابن الوسخة ذات يوم ضحية دفاعه عن نفاسه كابن وسخة وحيد،وتقاتل الآخرين على لقبه،سيعبده البعض من دون الله وينكر البعض وجوده من الأصل وستنشأ متاهات أخرى تدور حول ما إذا كان قد قتل،أم رفعه الله وأنه سيعود فى النهاية للانتقام من ادعاء الجميع انهم ولاد وسخة لنصب العدل على الأرض