Tuesday, February 7, 2017

وهبة.. فصل من رواية سيرة سيد الباشا



وهبة 
انتهى من الساندوتش واقفا على ثلاث قضمات. ثم اتجه إلى محل عصير القصب المواجه له. جنيه آخر طار. شرب. تجشأ. فكر إن كان قد بسمل قبل الأكل. ينسى كل مرة. حتى في حياته السابقة كان ينسى.
توجه إلى بنسيون فقير، معزول، لإعداد خطته بشأن فرصته الثانية للحياة. يذكره الأمر بخروج زميله نور الشريف من السجن في فيلم كتيبة الإعدام، مفلسا، محاصرا بوصمة الخيانة، أعجبه الدور، كان يتمنى لو لعبه، نصف فرصة في بطولة. لقد أهدروا ما يملك من وسامة وموهبة في لا شيء: ضابط يكافح المخدرات، أو مجرم يتاجر بها. حتى حياته جعلوها بالفصام نفسه: كان يحب المخدرات، وعليه أن يتحدث عن كرهها وضررها في الأحاديث الصحفية والإذاعية وعن خطورتها على أخلاق المجتمع.
لم يعرف أحد أنه مثل هاملت. وأنه بهر النقاد بأدائه في فيلم إيطالي وأجبر الأجانب على التحدث عن الموهبة التي فركتها الطاحونة في مصر، وأعطى النقاد المصريين طريقة للتفاخر ببلد خلق ليقتل التميز أصلا.
قالوا: "هذا هو الممثل المصري، فقط لو أتيحت له الفرصة سيجعل من حوله يشعرون بضآلتهم".
طحنوه. فغلف نفسه بكبرياء يصعق من يقترب منه، مشهرا كرامته وتعاليه كمطواة في كل مناسبة، انتقامه الخاص. حتى شلة المخدرات من الممثلين لم يعفهم من احتقاره لهم. كانوا يعرفون طيبة قلبه المختبئة كلؤلؤة لم يكن يكشفها إلا عند نقطة النشوة التي يصل إليها عبر المخدر.
لم يتعرف عليه أحد في البنسيون. فقد وسامته، أصبح أقصر، بكرش ضخم يتقدمه. له زبيبة صلاة ولحية ضخمة يرتدي جلبابا سنيا أصر القائمون على الأمر على تنكره فيها: إن حاولت تغييرها، ستموت ثانية.
يعذرهم وهبة. ليس من المحبب أن ينتشر بين العامة أن عودة الموتى أمر ممكن.
شيء واحد كان يضايقه بشأن هيئته الجديدة. أطرافه لم تكن مثبتة بشكل جيد. كانت مفككة قد تقع منه في أي وقت. رأسه وقع ذات مرة في مشهد فضيحة. قطة كادت تأكل ذكره عندما سقط أسفل طاولة مقهى. ساعده طفل ذات مرة على تثبيت ساقه اليسرى.
الزمن تغير، قال لنفسه: لا بد أنهم رأوا ما هو أفظع أثناء موتي. في حياتي السابقة كان الناس سيصدمون حقا من مشاهد كتلك. لكن هؤلاء تعاملوا مع الأمر بعادية مزعجة. ثمة شيء مقتول في دنياهم، كيف أؤسس لحياة جديدة في عالم كهذا.
عندما أغلق باب حجرته عليه. قرر أنه لن يستسلم للكسل ولإضاعة المزيد من الوقت. سينتهي من كتابة خطته لحياته الجديدة، لتسليمها إلى القائمين على الأمر. الموعد النهائي الذي حددوه قد اقترب. لم يفكر طيلة ثلاثة شهور من ميلاده الجديد إلا في البحر، كلما جلس وبدأ في كتابة خطته متحاشيا المحظورات الثلاثة: التمثيل، المخدرات، لم يخبروه بالثالثة، تركوها له كفخ.
بدأ في الكتابة، لكن لا شيء سوى البحر، القلم يتحرك من تلقاء نفسه، سود صفحات كثيرة لا تحمل سوى كلمة البحر، ظل هكذا حتى شعر بدوار ثم ميل قاتل إلى النوم، ميل يرعبه، فهو يعني العودة إلى الموت مرة أخرى.
قبل أن يسقط نائما، واتته الفكرة اللامعة: لا فكاك من البحر.
*****
قالت يارا  لوهبة: متى تتوقع انتهاء العمل؟
نظر لها معاتبا: لو توقفنا عن السؤال، واستمر الإخلاص.
واصلا سكب البحر في فناجين وجرادل بلاستيك. لم يلتفت لعينيها الواقعتين في الغرام.
عندما رأت ذلك المجذوب، يحاول أن يفرغ البحر عبر فنجان صغير، عرفته رغم كل الحجب: الكرش، الزبيبة، الجلباب، اللحية الكثيفة. إنه فتى أحلامها، وهبة الوسيم، الذي تخلل السينما بمشاهد لم يكن بطلها. مات قبل أن يعرف رأسه الشيب وتدرك حيويته الترهل. من امتلك القوة للخروج على القانون، والضعف ليشيد بأهميته.
كانت يارا في إجازة للاستشفاء من إعياء مقيم بسبب حبيبها السابق حامد، الذي عاش حياته يقتات على الحديث عن صناعة فيلم وثائقي عن حياة مجدي وهبة ورغبته في الموت صغيرا ولو بالسرطان. فزرع فيها كابوس رغبتها في القتل دون أن تكشف. وهو ما أقره وهبة: "من يرغب مخلصا في القتل، فعليه أن يكون مدربا على إخفاء الأثر".
رغم أن وهبة كان قليل الكلام فإنه كان أكثر حنوا عليها من حبيبها السابق، وإن لم يكن أقل صرامة. لم يعترض عندما حاولت مساعدته في سكب البحر في فناجين قهوة. بل ربت على كتفها مشجعا عندما اشترت جرادل بلاستيك من التي يلهو بها الأطفال على البحر.
عندما أتى ثلاثة أشخاص عرف وهبة أنهم من القائمين على الأمر، وأنهم جاؤوا للتأكد بشأن خطة فرصته الثانية للحياة. أخرج لهم رزمة ضخمة من الأوراق. أعد فيها خطة محكمة تحت عنوان: لا فكاك من البحر.
قلبوا الأوراق، نظروا إلى بعضهم مدهوشين، ثم ضحكوا بقوة.
طالبوه أن يأتي معهم بهدوء. أغروه بكفن جميل وجديد بدلا من الذي اهترأ. لكنه أشار إلى يارا المنهمكة في تعبئة الفناجين والجرادل بماء البحر، كان وهبة يعلم القانون: حياته مرهونة بإقناع شخص واحد على الأقل بخطته.
لم يماطلوه. كانت يارا حقا تفعل كل شيء بإخلاص وباختيارها تماما. ليس بإمكانهم سلبها هذا. قال أحدهم بحنق: سنعود.
قرر الثلاثة أن المشوار لا ينبغي أن يذهب هدرا. أخرج أحدهم عوامة ورش زميليه بالماء، قبل أن يبدأ محاولاته المضحكة في العوم.
دفن ثانيهم جسده في الرمل عدا رأسه، ودفن ثالثهم رأسه وترك جسده، ليبدوا كما لما لو أن رأسا يحتضن جسده المفصول عنه. طلبا من يارا أن تلتقط لهما صورة.
تأملا الصورة في ابتهاج قبل أن يسأل أحدهما الآخر: هل تصدق حقا أنه لا فكاك من البحر؟ رد زميله: لا أدري.. لا أفهم تلك العبارة أصلا، لكنها ستجد صداها في الأرض إذا ما تم تكرارها بشكل كاف، وسيصبح لها مؤمنون وتفسيرات عدة.
طالبا زميلهما بالخروج من البحر حتى لا يتأخروا على موعد عودتهم، لكنه تجاهلهما، فقررا أن يحفرا نفقا في الرمال إلى الصين إزجاء للوقت حتى يخرج.
أما وهبة فأعطى يارا رزمة الأوراق التي أعدها كخطة، قائلا:
"اقرئي ما في هذه الأوراق جيدا، نفذيه بالحرف، عندما يعود هؤلاء إلى القائمين على الأمر، ستأتيهم أوامر بإعادتي مرة أخرى، مهما كانت أسبابي".
فك وهبة قضيبه، وأعطاه لها: عبر هذا سنتصل. كلما أردت عونا ضاجعي نفسك به، وسألهمك الطريق، عدة مرات من استخدامه قد تصل بين روحينا المعلقتين بين السماء والأرض دون الحاجة إلى قضيب، ربما أتمكن من الحلول في جسدك أحيانا".
لكن وهبة لن يعود، لن يحل بروح يارا. لقد جاء ليختفي. تلك الأوراق لن تلعب أي دور، سيغيظه هذا، ربما يقتحم مشهدا أو اثنين ليفسدهما، لا يزال وهبة في قرارة نفسه نجما رغم أنه ميت.
ستفتح يارا الأوراق التي تتوالد ذاتيا بلا نهاية. لم يدون بها سوى عبارة واحدة: لا فكاك من البحر، لا فكاك من البحر، لا فكاك من البحر.. لا فكاك من البحر.
ضحكت يارا بأسى عندما اكتشفت الأمر. لكنها تعرف أنه محض مجنون يعتقد أن غموض كلماته واقتصادها قد يضفي عليها سحرا ويحولها إلى سر يجب أن يكشف، يربط العظمة بالتعقيد. التعقيد في رأيه سيمنحه السلطة التي تسكن من بيده المعرفة. إنها تدرك كنه وهبة جيدا. لقد رأته من قبل متجسدا في حامد الذي لو امتلك زمام الأمر لقبض أرواحا كثيرة ليحل العدل كما يراه ويقيم الدنيا على مقاس عينيه.
واصلت صب البحر في فناجين. ربت وهبة على كتفيها كأب، لكنها قبلته كامرأة، ندة له. أزعجه الأمر في البداية ثم استسلم. التقط القائمون على الأمر صورة لهما. همس أحدهم في أذن وهبة: "احصلا على غرفة". فكروا في أنهم يملكون القدرة على صناعة غرفة. فعلوا. لكنهم فقدوا هبتهم وتحولوا إلى خنافس دهسها البشر. أما يارا التي تملك قضيب وهبة بالفعل، لم تمنحه إياه بسهولة في الغرفة. أمتعها إذلاله قبل أن تعيده إليه مؤقتا، بعد أن توسل كدجاجة لا كسيد عظيم.


2 comments: