Tuesday, February 7, 2017

وهبة.. فصل من رواية سيرة سيد الباشا



وهبة 
انتهى من الساندوتش واقفا على ثلاث قضمات. ثم اتجه إلى محل عصير القصب المواجه له. جنيه آخر طار. شرب. تجشأ. فكر إن كان قد بسمل قبل الأكل. ينسى كل مرة. حتى في حياته السابقة كان ينسى.
توجه إلى بنسيون فقير، معزول، لإعداد خطته بشأن فرصته الثانية للحياة. يذكره الأمر بخروج زميله نور الشريف من السجن في فيلم كتيبة الإعدام، مفلسا، محاصرا بوصمة الخيانة، أعجبه الدور، كان يتمنى لو لعبه، نصف فرصة في بطولة. لقد أهدروا ما يملك من وسامة وموهبة في لا شيء: ضابط يكافح المخدرات، أو مجرم يتاجر بها. حتى حياته جعلوها بالفصام نفسه: كان يحب المخدرات، وعليه أن يتحدث عن كرهها وضررها في الأحاديث الصحفية والإذاعية وعن خطورتها على أخلاق المجتمع.
لم يعرف أحد أنه مثل هاملت. وأنه بهر النقاد بأدائه في فيلم إيطالي وأجبر الأجانب على التحدث عن الموهبة التي فركتها الطاحونة في مصر، وأعطى النقاد المصريين طريقة للتفاخر ببلد خلق ليقتل التميز أصلا.
قالوا: "هذا هو الممثل المصري، فقط لو أتيحت له الفرصة سيجعل من حوله يشعرون بضآلتهم".
طحنوه. فغلف نفسه بكبرياء يصعق من يقترب منه، مشهرا كرامته وتعاليه كمطواة في كل مناسبة، انتقامه الخاص. حتى شلة المخدرات من الممثلين لم يعفهم من احتقاره لهم. كانوا يعرفون طيبة قلبه المختبئة كلؤلؤة لم يكن يكشفها إلا عند نقطة النشوة التي يصل إليها عبر المخدر.
لم يتعرف عليه أحد في البنسيون. فقد وسامته، أصبح أقصر، بكرش ضخم يتقدمه. له زبيبة صلاة ولحية ضخمة يرتدي جلبابا سنيا أصر القائمون على الأمر على تنكره فيها: إن حاولت تغييرها، ستموت ثانية.
يعذرهم وهبة. ليس من المحبب أن ينتشر بين العامة أن عودة الموتى أمر ممكن.
شيء واحد كان يضايقه بشأن هيئته الجديدة. أطرافه لم تكن مثبتة بشكل جيد. كانت مفككة قد تقع منه في أي وقت. رأسه وقع ذات مرة في مشهد فضيحة. قطة كادت تأكل ذكره عندما سقط أسفل طاولة مقهى. ساعده طفل ذات مرة على تثبيت ساقه اليسرى.
الزمن تغير، قال لنفسه: لا بد أنهم رأوا ما هو أفظع أثناء موتي. في حياتي السابقة كان الناس سيصدمون حقا من مشاهد كتلك. لكن هؤلاء تعاملوا مع الأمر بعادية مزعجة. ثمة شيء مقتول في دنياهم، كيف أؤسس لحياة جديدة في عالم كهذا.
عندما أغلق باب حجرته عليه. قرر أنه لن يستسلم للكسل ولإضاعة المزيد من الوقت. سينتهي من كتابة خطته لحياته الجديدة، لتسليمها إلى القائمين على الأمر. الموعد النهائي الذي حددوه قد اقترب. لم يفكر طيلة ثلاثة شهور من ميلاده الجديد إلا في البحر، كلما جلس وبدأ في كتابة خطته متحاشيا المحظورات الثلاثة: التمثيل، المخدرات، لم يخبروه بالثالثة، تركوها له كفخ.
بدأ في الكتابة، لكن لا شيء سوى البحر، القلم يتحرك من تلقاء نفسه، سود صفحات كثيرة لا تحمل سوى كلمة البحر، ظل هكذا حتى شعر بدوار ثم ميل قاتل إلى النوم، ميل يرعبه، فهو يعني العودة إلى الموت مرة أخرى.
قبل أن يسقط نائما، واتته الفكرة اللامعة: لا فكاك من البحر.
*****
قالت يارا  لوهبة: متى تتوقع انتهاء العمل؟
نظر لها معاتبا: لو توقفنا عن السؤال، واستمر الإخلاص.
واصلا سكب البحر في فناجين وجرادل بلاستيك. لم يلتفت لعينيها الواقعتين في الغرام.
عندما رأت ذلك المجذوب، يحاول أن يفرغ البحر عبر فنجان صغير، عرفته رغم كل الحجب: الكرش، الزبيبة، الجلباب، اللحية الكثيفة. إنه فتى أحلامها، وهبة الوسيم، الذي تخلل السينما بمشاهد لم يكن بطلها. مات قبل أن يعرف رأسه الشيب وتدرك حيويته الترهل. من امتلك القوة للخروج على القانون، والضعف ليشيد بأهميته.
كانت يارا في إجازة للاستشفاء من إعياء مقيم بسبب حبيبها السابق حامد، الذي عاش حياته يقتات على الحديث عن صناعة فيلم وثائقي عن حياة مجدي وهبة ورغبته في الموت صغيرا ولو بالسرطان. فزرع فيها كابوس رغبتها في القتل دون أن تكشف. وهو ما أقره وهبة: "من يرغب مخلصا في القتل، فعليه أن يكون مدربا على إخفاء الأثر".
رغم أن وهبة كان قليل الكلام فإنه كان أكثر حنوا عليها من حبيبها السابق، وإن لم يكن أقل صرامة. لم يعترض عندما حاولت مساعدته في سكب البحر في فناجين قهوة. بل ربت على كتفها مشجعا عندما اشترت جرادل بلاستيك من التي يلهو بها الأطفال على البحر.
عندما أتى ثلاثة أشخاص عرف وهبة أنهم من القائمين على الأمر، وأنهم جاؤوا للتأكد بشأن خطة فرصته الثانية للحياة. أخرج لهم رزمة ضخمة من الأوراق. أعد فيها خطة محكمة تحت عنوان: لا فكاك من البحر.
قلبوا الأوراق، نظروا إلى بعضهم مدهوشين، ثم ضحكوا بقوة.
طالبوه أن يأتي معهم بهدوء. أغروه بكفن جميل وجديد بدلا من الذي اهترأ. لكنه أشار إلى يارا المنهمكة في تعبئة الفناجين والجرادل بماء البحر، كان وهبة يعلم القانون: حياته مرهونة بإقناع شخص واحد على الأقل بخطته.
لم يماطلوه. كانت يارا حقا تفعل كل شيء بإخلاص وباختيارها تماما. ليس بإمكانهم سلبها هذا. قال أحدهم بحنق: سنعود.
قرر الثلاثة أن المشوار لا ينبغي أن يذهب هدرا. أخرج أحدهم عوامة ورش زميليه بالماء، قبل أن يبدأ محاولاته المضحكة في العوم.
دفن ثانيهم جسده في الرمل عدا رأسه، ودفن ثالثهم رأسه وترك جسده، ليبدوا كما لما لو أن رأسا يحتضن جسده المفصول عنه. طلبا من يارا أن تلتقط لهما صورة.
تأملا الصورة في ابتهاج قبل أن يسأل أحدهما الآخر: هل تصدق حقا أنه لا فكاك من البحر؟ رد زميله: لا أدري.. لا أفهم تلك العبارة أصلا، لكنها ستجد صداها في الأرض إذا ما تم تكرارها بشكل كاف، وسيصبح لها مؤمنون وتفسيرات عدة.
طالبا زميلهما بالخروج من البحر حتى لا يتأخروا على موعد عودتهم، لكنه تجاهلهما، فقررا أن يحفرا نفقا في الرمال إلى الصين إزجاء للوقت حتى يخرج.
أما وهبة فأعطى يارا رزمة الأوراق التي أعدها كخطة، قائلا:
"اقرئي ما في هذه الأوراق جيدا، نفذيه بالحرف، عندما يعود هؤلاء إلى القائمين على الأمر، ستأتيهم أوامر بإعادتي مرة أخرى، مهما كانت أسبابي".
فك وهبة قضيبه، وأعطاه لها: عبر هذا سنتصل. كلما أردت عونا ضاجعي نفسك به، وسألهمك الطريق، عدة مرات من استخدامه قد تصل بين روحينا المعلقتين بين السماء والأرض دون الحاجة إلى قضيب، ربما أتمكن من الحلول في جسدك أحيانا".
لكن وهبة لن يعود، لن يحل بروح يارا. لقد جاء ليختفي. تلك الأوراق لن تلعب أي دور، سيغيظه هذا، ربما يقتحم مشهدا أو اثنين ليفسدهما، لا يزال وهبة في قرارة نفسه نجما رغم أنه ميت.
ستفتح يارا الأوراق التي تتوالد ذاتيا بلا نهاية. لم يدون بها سوى عبارة واحدة: لا فكاك من البحر، لا فكاك من البحر، لا فكاك من البحر.. لا فكاك من البحر.
ضحكت يارا بأسى عندما اكتشفت الأمر. لكنها تعرف أنه محض مجنون يعتقد أن غموض كلماته واقتصادها قد يضفي عليها سحرا ويحولها إلى سر يجب أن يكشف، يربط العظمة بالتعقيد. التعقيد في رأيه سيمنحه السلطة التي تسكن من بيده المعرفة. إنها تدرك كنه وهبة جيدا. لقد رأته من قبل متجسدا في حامد الذي لو امتلك زمام الأمر لقبض أرواحا كثيرة ليحل العدل كما يراه ويقيم الدنيا على مقاس عينيه.
واصلت صب البحر في فناجين. ربت وهبة على كتفيها كأب، لكنها قبلته كامرأة، ندة له. أزعجه الأمر في البداية ثم استسلم. التقط القائمون على الأمر صورة لهما. همس أحدهم في أذن وهبة: "احصلا على غرفة". فكروا في أنهم يملكون القدرة على صناعة غرفة. فعلوا. لكنهم فقدوا هبتهم وتحولوا إلى خنافس دهسها البشر. أما يارا التي تملك قضيب وهبة بالفعل، لم تمنحه إياه بسهولة في الغرفة. أمتعها إذلاله قبل أن تعيده إليه مؤقتا، بعد أن توسل كدجاجة لا كسيد عظيم.


Monday, January 23, 2017

هكذا خسرت العالم (1): في محبة الفيل ونسيانه


أعتقد أن الطبيعة أخطأت عندما منحتني دور الأخ الأكبر، تماما كما تخطيء عندما تُلبس رجلا روح امرأة والعكس. أخطاء كتلك تضمن لأصحابها شعورين متناقضين: القداسة، لأنهم يدينون الطبيعة بشيء، والإحساس الهائل بكونهم محض متطفلين على النظام الصارم للطبيعة. 
لم يكن بداخلي روح أخ أكبر. لم أقد إخواتي إلى شيء، ربما جربنا معا بعض الأفكار الفاشلة، وابتكرت لهم بعض الألعاب الجيدة، التي لا تفتقر للخيال ولكنها كعادتي تفتقر إلى الدقة، لكني أبدا لم أستطع أن أمنحهم النصح دون إفساد. أفكر أني لم أنجح طيلة حياتي في اسداء نصيحة جيدة لأحد، دائما ما تقودهم أفكاري الصحيحة في خيالي إلى أماكن وعرة. لا يمكنني التذمر، فالنصيحة  هي الوسيلة الأكثر نقاقا للاستيلاء على الأرواح.
لذا بنيت تصوري عن الأخ الأكبر، الذي احتجته كأب بلا مخالب، هو شخص يتركك تفسد للنهاية، ثم يطل بالحل في اللحظة الأخيرة. أن تعرف أن من حقك أن تغمس نفسك في التجربة الخطأ، فثمة من سينقذ روحك في النهاية، دون أن يطالبك بها.
لهذا تعلقت بالفيل، وأحببته بشدة
الفيل علامته وليس اسمه. لكنه يحب تلك العلامة، لذا سأذكره بما يحبه.
الفيل كاتب تمنيت صغيرا أن أكونه، وعندما قابلته فشلت في النهاية باقناعه بالمحبة التي أكنها له، حتى أنه رآها كعبء لا يطيقه.
لكن المحبة ليست التعريف الدقيق لوصف ما أشعر به نحو الفيل. تلك محبة عالقة، عند لحظة في الزمن، احتشدت وراءها كسور يعيق تلك المحبة عن التقدم والفيض، لألقمها للنسيان، أو  أحتجزها للتلذذ بذكراها، محاولة يائسة لمنع المحبة والكراهية. فمن الفيل تلقيت عبارة شديدة القسوة توجت ذروة انكاري للصداقة، لازالت ذكراها تعيق تنفسي للثقة في نفسي، بل ردتني إلى وضعي الأول خائفا من العالم، أو ربما عرت حقيقتي كمتطفل لا كغريب . ماذا لو أخبرت شخصا أنك تحبه، أنك تفتعل الصدف كي تتعامل معه وكي تثبت المحبة. فأخبرك: نعم.. أعلم.. هذا يخجلني. لم يكن لسياق الرد معنى: أكثر  من أنه لم يعد قادرا على استقبال محبتك ونفوره منها يربكه. ليست إلا عبئا ثقيلا على بدن فيل يمكنه احتضان العالم وأن يرى في نفسه القدرة على الطيران والخفة، لكنه غير قادر على استيعاب محبتك.
في مراهقتي كانت صور الكتاب تحت زجاج مكتبي لا نجوم السينما. هؤلاء كان نجومي. كان الفيل من بينهم حتى لو لم أضع صورته تحت زجاج المكتب. كنت أقرأ كل ما يكتبه بشغف، حتى أني راسلته دون أن يرد قبل أن أقابله بعدة أعوام، طلبا لرأيه في قرار مصيري بتحويل دراستي من الصيدلة إلى الإعلام. لم يرد واستكملت دراستي البائسة، لم يتذكر الرسالة أصلا عندما قابلته. كنت محض معجب، ولم أغادر تلك الخانة أبدا، حتى عندما صرت صديقا، وعندما تطور الأمر إلى بوادر  بنوة خفية بيني وبين أب بلا مخالب الأبوة، وعندما ذوت تدريجيا، ظل جوهرها دائما على الحواف، متطفل يضاحك حشد، ولا يصبح أبدا منتميا إلى أحد.
أنا أتفهم علامة الفيل. يطير  داخل بدانته، يرتشف العالم ببطء، بكسل لا يغوى بإيقاع الحياة. ضخامته هيبة على عكس هيبة الأسود. لادم يسيل من شفتيه، بل خضرة الأرض. لذته المياه، وجبته التأمل. بدانة تحتضن العالم، أو توحي بذلك. لكن الفيل لا يحب إلا شبيهه وينفر من عصفور يطل عليه منبهرا ومحب؟ كنت عصفورا  في طير التكوين، حتى لو لم أصبح فيلا في نهاية المطاف. العصافير  قد تكون ثقيلة الظل إذا ما احتمت بالصمت والانبهار.
كانت هزيمتي الأولى معه. عندما توقفت عن الكلام في حضرته. أحضر جلساته دون أن أتفوه بحرف، لا يعرف أن المحبة قد بلغت حد أن رؤيته تكفيني. هذا جسد قادر على احتضاني من المدينة الغادرة. لا سند لي فيها. أبي ينكر  عصياني ويراهن على عودتي مهزوما وعمي الصحفي الكبير ينكر وجودي في القاهرة، "لعب العيال" الذي استمر  أكثر من عشرة سنوات.
أتذكر أن أول ما نشر لي كانت بورتريهات تتقصى القادمين إلى القاهرة بأحلام كبيرة، ثم تخطاهم العمر دون أن يحققوها، دون قدرة على التقدم أو العودة، بلا أمل أو يأس. كنت أتقصى عن هاجسي، وأتونس بحكايات الحالمين الفشلة، لا أعلم إن كنت أبحث عن عزاء لو فشلت، أو عظة كي لا أفعل. كل ما أعرفه أني قدمت كتابة شديدة التعاطف، مع الحالمين بلا مدد. أرى جوهرها الآن، معكوسا. كتابة فاسدة، تتجاهل أثر القبح، وتنكره لتكريس صورة مزيفة عن الحالمين  لا يدرك الفيل، أني أدركت فسادي منذ زمن، رغم امتثالي لنصيحته" لا تكن كمقريء القرآن، تضغط على المقاطع التي تعلم أن الناس تحبها، وتظن أن الآهات لك، رغم أنها في الأساس لنص لم تكتبه"، ربما لا يؤمن باصلاح ما فسد.
والفيل أيضا ابن مدينة بائسة متلحفة بالريف، لكنه فلح في أن يصير مدينيا تماما. لم أقابله وهو يحارب علل المدن البائسة، بل وهو منتصرا عليها، بينما لم أكن أدرك عورات الطبقة الوسطى بعد. لم تنكشف له عوراتي مرة واحدة. لكن كلما انكشفت له، شعرت بلطمة أب كنت أحتاجه. أب يفهم الأخلاق بمنطق آخر، غير ماتربيت عليه.
والأهم: ادراك عورات الريفي وهو ينتقل للمدينة، تناقضاته. كان يتمشى حولي في الجريدة التي أعمل بها، جاء كرئيس تحرير لم يصمد طويلا. كنت أتنفس أخباره بانبهار، آراه من بعيد ولا أكلمه. انتظرت عندما جاءني للمرة الأولى، بجملة محفورة في ذاكرتي: إحنا سايبينك تلعب في الجرنان براحتك.. بس ماتفتكرش إني مش واخد بالي. ثم تركني مبهورا ورحل. هذا ما كنت أحتاجه: فلأعبث بأعواد الثقاب ما شئت، ففي النهاية ثمة من متى سيمنعني عن إحراق نفسي، وحماية المدينة من لهو الطفل.
تمددت العلاقة نحو المحبة من جانبه، والتعلق بذيله وظله كطفل، وهو ما لم أمنحه لأحد طيلة حياتي التي سبقت حضوره والتي تلتها. كنت في عينيه موهوبا، مجدا، مضحكا. هذا نفخ في عروقي ثقة لم أعرفها من قبل. ثقة أن أخطيء، حتى أني كنت أمرح بدلال طفل، ولم أكن طفلا، لكني استعدت طفولتي كما أردتها. خطاءة بلا عقاب. أتذكر فرحته بأول عدد أحصل فيه على صفحة كاملة، عدد العيد، كان عن البهجة، وكانت المرة الأولى التي أحرر فيها صفحة بلا رقيب، ذكرني بأن أغير شيئا في الصفحة، تعليقا كنت أظنه ظريفا وكان يراه ثقيل الدم. لم أغيره، وتجاهل رغم صلاحياته أن يعدل التعليق. عقب أجازة العيد أخبرني: كل من قرأ ما كتبته أخبرني أنك موهوب،. مع ابتسامة شديدة اللطف والدفء.
ترك الجريدة، ولم أتركه. حتى أنني أبلغت رئيس التحرير الجديد ببراءة بلهاء: سأحاول العمل في جريدة أخرى. لم أفعل. لكني واظبت على مقابلته، ليحل الصمت والانبهار، مكان أشياء يمكن التحدث فيها. لأبدأ في إدراك أن عالمي من المعرفة، لم يجد شيئا ليقوله في حضرته إلا خارج الكوب. وفق تعرف إمبرتوإيكو في بندول فوكو: الحمقى وحدهم يتحدثون خارج الكوب.
ربما كل ماكان يجمع بيني وبينه، هو الجريدة، كنت صالحا حينها لما تؤمن به الصحافة: طفولة تكريس الصورة. بدأ كل شيء في الانهيار تدريجيا، لازالت حياتي سباقا لارضائه ونسيانه. أن أتخلص من معارفي القديمة، أحرقها كي أفهم، عندما قرر ببساطة أن محبتي عبء عليه.

هذا لازال محفورا في ذاكراتي كخنجر. لكني لا أشعر بالألم، وانكر على نفسي اشتهائها لرضاه. المرة الأخيرة التي رأيته فيها، كل ما استطعت فعله، أن أتجاهل وجوده وأن لا ارد الابتسام، آخر خيط في مملكة الصمت المتبادل، لأخبره فليرفع ثقل تلك المحبة عن كتفيه. هو الآن حر، خفيف كفيل يطير. 

Sunday, November 13, 2016

الكتبة الحقيقيون



الكتبة الحقيقيون يحملون خرافات كثيرة عن ما يجب أن يكون عليه "الكتبة الحقيقيون".

أفكر في كاتب، أشعث مترب، مجذوب خرافي في شوارع المدينة، يفر عاريا من نصوصه القديمة، تلحق به في النهاية وتبدأ في أكله حيا، ثم تمحى كلماته، كلمة وراء كلمة، ونصا وراء نص. كان يفكر أثناء سلخ فروته، ممتثلا للنشوة، أن ما يحدث في تلك اللحظة هو أفضل نصوصه.

الصمت، تمرين الكتابة الوحيد الذي لم يخبرنا أحدا بشأنه. وجائزة الخلود لا تعترف أبدا بالجمال الخفي "للنسيان.

"الكتبة الحقيقيون" يؤمنون بنصهم، نص واحد طويل ككتاب مقدس لا تنتهي صفحاته أبدا، يمتد في نصوص الآخرين. لن ينقصهم العنف، لو امتلكوا السلاح لفعلوها.


Saturday, August 27, 2016

وكمان مرة أحمد ناجي.."المستقبل" في الزنزانة.."الميت في التلاجة ( شهادة شخصية)

*تحذير: نص طويل، غير مهذب أو محرر

إيه أكتر مسلمة الناس مابتختلفش عليها على الفيسبوك: إن أحمد ذكي ممثل عظيم. أفتكر يعني إن كانت واحدة من علامات عظمته وهوسه بالتمثيل المشهد اللي مثل فيه ميت ودخل  تلاجة المشرحة بدون دوبلير، دي نفحة كده من أساطيره. يعني دي آخر حاجة ممكن حد يضربها.
جه أحمد ناجي في مرة وراح خابط الجملة دي على الفيسبوك قبل سجنه بشهور: أحمد ذكي ممثل ميديوكر!!
اللي هو طبعا إنت هتشتم ناجي في سرك سواء بتحبه أو في المعسكر اللي شايفه خرفجي، واللي كنت منه لحد نص 2010، لما كنت براجع درافت نهائي لمجموعة قصصية داخلة المطبعة، وحسيت لحظتها- مش حتى لما اتنشر- بكارثة، كارثة اسمها إني قاعد بكرس مسلمات وبعيد إنتاج صور زائفة لمجرد أنها بتجيب مع الناس وإني وقعت نفسي في فخ كان المفروض أتجاوزه من سنين قبلها، وقلت لنفسي ساعتها: أنا مش هكتب كده تاني، ومش هقرا كده تاني، بس كانت دوامة مرعبة، خواء وفضا، وأرض الثقة في نفسك وفي موهبتك فاضية من تحتك، اسمها كل اللي تعرفه ميت زي أحمد زكي في التلاجة، ووصلك إنك تطلع للخراء المتغلف شيكولاتة ده، لكن نجدني منها سبع شهور، سبقوا الموقف ده بسنة كنت قعدتهم مع تلاتة، أحمد ناجي ونائل الطوخي وأحمد وائل في أخبار الأدب. كانت فترة متوترة دفاعية، وكنت أقرب للانعزال مش للاندماج والتخطيط للهروب من مكان بائس، لكني كنت براقب، وعينيا وعقلي راحوا على طول للي فارق التلاتة دول عن أغلب الأدباء اللي عرفتهم، حاجة فكرتني بلحظة قبليها في إسكندرية لما عرفت أميز بعد صراع إن اللي بينتجه أدباء "الكابينة" عبدالرحيم يوسف وسامي إسماعيل وباقي المجموعة عن أوهام قصر ثقافة مصطفى كامل، واللي بسبب التمييز ده قررت آجي القاهرة عشان احساسي إن معارف إسكندرية-وقتها- ممكن في لحظة تتحول لمعرفة" ميت في التلاجة" بيقول شعر أهبل شكله فخم في قصر ثقافة الأنفوشي مع ناس ميتة بتعيد إنتاج أشباحها، لكن الصحافة وقتها ( خصوصا الثقافية)، مهنة تكريس الصورة والبكاء على أطلال الميتين في التلاجة، عطلت الوعي ده جوايا سنتين، لأن لعبتها السهلة اللي خلتني أبقى متواجد بسرعة وثابت فيها كشغلانة مش طموح، هي أني هعرف بلغة حلوة أكرس صورة متخيلة جميلة وكل حاجة بس مش حقيقية، يعني ممكن أضربلك مثال مع الفارق: الليلة الكبيرة بتاعت صلاح جاهين، اللي بتوصف لحظة ما في الستينات بقت في الماضي عن المولد، اسأل نفسك كده سواء كنت صحفي أو مواطن نازل المولد، إنت بتروحه وبترجع منه بأنهي صورة، الصورة الحقيقية البشعة اللي هو عليها، ولا الصورة الجميلة المثالية اللي طرحها جاهين، ومع الزمن ماعدتش حقيقية، المولد فيه تحرش وسرقة وزحمة وناس جعانة بتروح عشان تاكل ومجانين بره الزمن، وبحيرة بول وشخاخ كبيرة في صحن جامع الحسين، لكن مافهوش يا غزال ياغزال ده العشج حلال، ولا الأراجوز الظريف، وماعدش مناسبة روحانية أو مسلية بأي حال من الأحوال. ده دايما مغري فشخ.
 أنتجت في فترة الاستسلام للعبة الصحافة دي، المجموعة القصصية الخرائية اللي حب الناس ليها، ما خلانيش للحظة أشك في زيف وخطورة اللي أنتجته (أي تكريس للصورة الثابتة عن الحياة هي خيانة للكتابة وللناس) ، نائل وناجي ماكنوش حتى لسه أنتجوا نصوص ناضجة زي نساء الكارنتينا ولا استخدام الحياة، لكن طريقة تفكيرهم كانت بتقول إنه فيه حاجة بره النمط، حاجة عرفت إن فيه "ميت" في التلاجة"، ظني إن الفارق ما كانش في الموهبة، كان في المعرفة. الموهبة أرض جميلة والمفترض تبقى مثمرة، لكنها خرافية زي حواديت الجنيات وبدون معرفة "حية" و"معاصرة"، مش معرفة" ميتين" في التلاجة"، هتفضل تنتج أشباح ميتين ماسكين في رقابنا. أنا أكتر كلمة سمعتها واتكتبت عني إني موهوب، وظني إني ماعرفتش ألاقي كتابة فعلية، حتى لو ببداية متهتهة ومتشنجة  غير لما ما بقتش أهتم أصلا بالجملة دي واعتبر نفسي ماسمعتهاش.
وسر المعرفة "الحية" دي ببساطة مش ملغز: افهم اللحظة اللي إنت فيها، تشكك في اللي اتقالك، راهن على صوتك بدون يقين..لأن الكتابة في اللحظة دي ماعادتش كتابة بناء على معيار كبير نهائي وخالص زي زمان، لكنها في ظني لحظة الأصوات المتفردة والخاصة، ده مش حكمي، ده حكم الزمن اللي كل شخص فيه على وجه الأرض عنده منصة تعبير لوحده على الشبكات الاجتماعية، واللي للأسف بدل ما يختار فيها صوته الخاص، بيستعير فيها الأصوات "المنتصرة"، ويبدلها في ثانية لو "اتهزمت". وبيساعد على ده إن أي صوت مختلف الناس بتاكله حي، زي أي لحظة بدائية في أي غابة متناكة، حد فيها قالهم إن ممكن نصطاد بالقوس مش بدراعنا، متهيألي آلاف الكفرة اتاكلوا قبل ما المؤمنين يقتنعوا بالقوس. آه بالمناسبة لو ماكانش عندك خبر، المعرفة ماعدتش بس في الكتب، عشان الزمن جاحد والمعرفة بتتطور أسرع من قدرة الكتب الاستاتيكية نفسها على الاستيعاب.
الكتابة ممكن تكون رهان على صوت متعثر، متهتهه، هيتماسك مع الوقت ويعدي تهتهته دي لمنطقة أنضج ولتهتهة جديدة زي ما هي برضه بنت الأكاديمية اللي بتطلع دكاترة ومهندسين ومدرسين وروائيين شاطرين. وعلى فكرة قالب الرواية أصلا من كتر ما اتهرس واتجمد واتكتب عن تكنيكاته بمساهمة أصلا من الأدب التجاري اللي محتاج يبقى نمطي عشان رهانه كله على البيع بقى أكتر قالب ممكن متوسطي المواهب يصبوا فيه حكايات حلوة، من غير ماتعرف تميزهم، يعني القالب ده أصلا ماعدش أملة، وكل الناس عندها حكايات، والحكايات دي ممكن تطلع حلوة عادي حتى لو طالعة من واحد نص موهوب.
هتقابل ناس كتير من حراس المعرفة "الميتة"، غالبا واثقين من نفسهم جدا، بيقولوا على أي محاولة" كسمها، إيه الخرا اللي إنت كاتبه"، ومثقفين مش هقولك مش مثقفين، لكنها ثقافة ميتة، مش قادرة تدرك إن النصوص الأساسية اللي بيعتمدوا عليها، ماتت، الزمن تجاوزها، وحتى لما بيعاد اكتشاف جوهرها، بيعاد اكتشافها على أرض تانية ومعرفة تانية، لكن ثقافتهم ماتفرقش في ظني عن ثقافة وكيل النيابة اللي حكم على ناجي، اللي هو كمان مثقف ببلاغة قديمة ورسمية منتهية وميتة لكنها تجاوزت الموت للعفونة، الناس دي ممكن تقولك في أشد حالاتها تطرفا نقدر نرجع الأربعينات الجميلة لو تكاتفنا، وفي أشد حالاتها تطرفا برضه بتبقى عايز تقاوم فشلها بإنها تعمل حاجة اسمها تثبيت الزمن، حيث المثال فيه بينتهي عند نجيب محفوظ ونجيب سرور ولما يتنحرر أوي يبقى محمود درويش ولما يتحدث خالص ويبقى مودرن يبقى وديع سعادة عشان نص العابرون سريعا جميلون بقى تريند لا يمكن مقاومته، ليه عايزين يعملوا كده، عشان ماحدش فينا هيبقى نجيب محفوظ ولا سرور ولا درويش ولا وديع سعادة، الأشباح مش هتعيد إنتاج نفسها فينا، وعشان ده بيخليه في منطقة أصلا آمنة، طالما الميتين مش هيرجعوا، يبقى ماحدش فينا هيكتب عدل، يبقى هو كده أمان وهيرفض أي محاولات تجريب اللي ما بيعبهاش فشلها في البداية أصلا، بالمناسبة نجيب محفوظ تخلص من عك الميلودراما والصدف ولقى صوته الخاص في اللص والكلاب (روايته السابعة)، ووصل لذورة مشروعه في الحرافيش وهو في عمر 66. طب أزايد أكتر، فيه كتاب كتير كل اللي جاننهم إن الرواية سمعت بسبب القضية في دول أوروبية وهتترجم، مختصرة المسافة الشاقة اللي بدعها نجيب محفوظ، وهوس الروائيين العجيب بإنتاجهم ونفسهم وهوسهم بفكرة تعميم نصهم في نصوص الآخرين.
نرجع لأحمد ذكي" الميت في التلاجة" –لو لسه فاكر-، يمكن ساعتها استغربت إيه اللي يخلي أحمد ناجي يقول على أحمد ذكي ميديوكر. فيه نوعين من الناس، ناس "سلفية" وناس "مستقبلية" بتعبير أرنولد توينبي، أحمد ناجي من النوع التاني، والاتنين بينهم جذور مشتركة، منها إن الاتنين عايشين في زمن مش موجود، زمن  مش هيحصل تاني، وزمن لسه ما حصلش أصلا. والاتنين راديكالين في رؤيتهم، عناف في تصورهم، والاتنين بينكروا الحاضر، بس مع الفارق، بين واحد بيشدك لورا، وواحد بيستشرف معاك أدام. لما تيجي تبص على المدرسة المعرفية اللي أنتجت أحمد زكي ويحي الفخراني ومحمود عبد العزيز ونور الشريف وحتى عادل إمام، وفي نفس توقيتها بره آل باتشينو وروبرت دي نيرو وجاك نيكلسون، اللي هو السحر نفسه يعني، هتلاقي (واعذروني لو كانت ملاحظات من متفرج مش متخصص) إنها مدرسة قايمة على فكرة التقمص، واللي مش بتلغي أصلا فكرة إنك عارف إن اللي قصادك بيمثل، واللي هي نتاج طويل عندنا وعندهم من مدرسة قايمة أصلا في بدايتها القديمة على المبالغات المسرحية زي زكي طليمات ويوسف وهبي، واللي فضلت تتطور بعد ما لغت المبالغات دي لحد ما وصلت لذروتها ونضجها معاهم..لكن بعد الذروة النهائية إيه؟ موت، وولادة حاجة جديدة. اسمها ليه التقمص، مادام لسه برضه يمثل، ويبدأ الأداء يروح ناحية إنه الممثلين يتكلموا عادي، طبيعي، شبهنا، وتبقى الموهبة اللي مش عارفين نشوفها ومستقبل التمثيل اللي ناجي شافه،  في القدرة دي على إنه يبقى طبيعي، عشان عينينا لسه ملوووحة عشرين سنة لورا، مستنين أحمد ذكي يصحى من التلاجة، وقاعدين نتحسر على الزمن اللي مش هيرجع، ما هو مش هيرجع، حتى لما الناس اتبسطت من محمد ممدوح في مسلسل جراند أوتيل، كانت أصلا بتقيس على معيار المحكمين في آراب أيدول اللي بيقيسوا قوة الحنجرة على معيار أم كلثوم النهائي، ونسيوا أن أي محاولة بره البرنامج لاستنساخ أم كلثوم وأحمد زكي أقصد المعرفة اللي بيطلع بيها النوع ده من الغنا نفسها انتهت. محمد ممدوح مش هيسيب أثر العظمة والخلود اللي سابه أحمد زكي، مش عشان هو مش ممثل شاطر، لكن عشان العكس عشان هو ممثل شاطر بس جوه شروط وزمن انتهوا.
بس في التمثيل، إحنا لسه في مرحلة وسيطة موت التقمص لسه بينازع، وصعود الأداء الطبيعي( وبكرر إنها ملاحظة مش من متخصص) بيطلع وبيطلع لحد ما يسود في المستقبل. ناجي عشان "مستقبلي" بيلغي في كل حاجة المراحل الوسيطة دي، هو شاف الميت في التلاجة، ومش هيطلع يضيع وقته إنه يشرحلك إنه الميت في التلاجة، لأ هو بينط المنطقة دي ويتكلم عن المستقبل –غير المضمون المثالي- مباشرة. عشان كده والله، مش مهم أصلا سؤال ناجي صح ولا غلط، جيد ولا رديء.
وده فارق مهم عند ناجي لما بيكتب، يعني عندنا تلات روايات مهمة بيحصلوا في زمن المستقبل، الكارنتينا لنائل وعطارد لمحمد ربيع، واستخدام الحياة لناجي، فيه فرق جوهري، مش السؤال فيهم الجودة، لأن التلات روايات في رأيي من أنضج وأهم تلات نصوص قريتهم للي ممكن أسميهم تجاوزا سن ما تحت السبعة وتلاتين مثلا، الفرق ده إن نائل وربيع بيحكوا عن المستقبل لكن هما فعليا بيتكلموا عن الحاضر، بيشرحوا إن الميت في التلاجة، وبيطاردوا آثاره وسبب استخدامهم لصيغة المستقبل إنهم عايزين يقولوا إن طول ما إحنا مش شايفين إن الميت في التلاجة مش هنوصل لحاجة، هنفضل في ندور في متاهات مفرغة بين المسخرة والكابوس. أحمد ناجي بقى بينط على دي، هو الميت في التلاجة عنده مسلمة، وقاله كسمك من زمان، هنعمل إيه بقى في المستقبل، فيبدأ يستشرف في ضباب الزمن اللي مش موجود ده، ما بعد النهاية، بداية جديدة بتلعن المسارات كلها، وبيتولد منها الحياة بعد الموت، حياة طازجة، متعثرة، مرتبكة، زي أي ميلاد.
لكن هل أحمد ناجي صح بخصوص إن أحمد ذكي ميديوكر، في ظني الإجابة مش مهمة، أهمية ناجي عمرها ما كانت إنه صح أو غلط، في أوقات كتير بيطلع غلط ورؤيته فيها استعجال كبير بتدراي طزاجتها وصحتها أحيانا، أهمية أحمد ناجي إنه خلاني أفكر ليه ممكن حد يقول على أحمد ذكي ميديوكر، وأوصل لإجابات تانية وأسئلة تانية مالهاش علاقة بالسؤال الأصلي، وكمان سؤال الرداءة والجودة اللي منايك الثقافة شاغلة نفسها بيه في شغل أحمد ناجي، كمان مش مهم، اللي بيلتمس بداية جديدة، ولو أنها أنضج وأكثر جودة في رأيي من خرافات إعادة انتاج أشباح الميتين، ده يبقى لا مؤاخذة كسم السؤال ده،، آه..أمك إنت..عشان لامؤاخذة لما يحد بيكتشف حاجة وثغرة في النفق، مش  يبقى السؤال الوحيد المنطقي إيه اللي بتهببه ده، لكن السؤال إنت لاقيت إيه؟، لكن عشان إنت جي تحاسبه بمعايير النص نفسه مش معترف بيها، وبيحاول يتجاوزها، عن خيال تاني مش بتاع النص النهائي والمعياري. أحمد ناجي هيبقى أحمد ناجي عشان هو اختار ده، ومش هيعيد نجيب محفوظ اللي ظني إن تعلق الناس بيه أصلا مش عشان أهمية اللي كتبه، لكن التعلق تعلق زائف ونفعي عشان الخرافة الشايعة والأمل اللي بياكل الأطياز إنه لو اتبعنا تعاليمه هننجو ونوصل للعالمية، عاش نجيب محفوظ كجوهر مش كسجان، كسمكوا..آه أمك إنت. ده لو كان نجيب محفوظ سمع كلام معاصريه وكتب زيهم ولا سمع كلام الأدب الملتزم اللي مينفعش تكتب عن البرجوازية ولا مادوشش دماغه بالفلسفة اللي ما فيش كاتب معاصر ليه التفت ليها، كان آخره بقى بست سيللر في معارض الشتاء والصيف.
وعشان كده برضه ناجي يغمز نائل في رواية نساء الكارنتينا في كونها رواية ملحمية، ناجي مش صح، لأنها واحدة من أكتر الروايات أصالة وقريتها وعشان عارف إن نائل ورا الوسوسة   بأفكار كتير مهمة وكتابات حلوة بنشوفها، لكن ناجي عارف إن المستقبل مش للنصوص الملحمية، وإن زمن الديجيتال بياكل الكلام، الزمن لنصوص الصوت الفرد، الفرد الواحد اللي بيتاكل حي ، وبيستخبى ورا أصوات مش بتاعته، عشان يحمي نفسه أو يثبت الزمن. النصوص دي اللي فهمها بجرأة هو الشعر، عشان متحررة أصلا من راس المال ومنظومة النشر بسبب استبعاده، عشان كده الشعرا قليلين آه، بس يقدروا يغيروا حياة الواحد لما يعتر على شاعر حقيقي فيهم.

وأخيرا، حاجة مالهاش علاقة ناجي، لكنها فرصة وتلكيكة عشان أوصل رسالة، لسه كلنا وجميعا، بما فينا ناجي، بنكتب من منطقة صوتها عالي، عشان الميت مطلع ميتينا، ومش راضي يسيبلنا نفس. عشان كده بتلاقي الكتابة الجديدة في بدايات نضجها نفسها في السخرية" الكارنتينا" أو الكابوس "عطارد" ، أو كيف ننجو يا ولاد المتناكة "استخدام الحياة"، دي كلها أصوات عالية، مش بالمعنى الديماجوجي، لكن بمعنى محاولة الانتصار على صخب الميتين، شخرة متقنة. لكن فيه منطقة لسه جيلنا ما سدهاش، وجيلنا دي تجاوزا، مافيش حاجة اسمها جيل، الكتابة من منطقة أكثر همسا، أكثر حيادية، اللي شايفه بيعمل ده هو هيثم ورداني وده سنه أكبر، لكن المعني بالرسالة، هو أحمد وائل، اللي مش عارف ليه ما بيكتبش، عشان هو بيفكر كده، بهدوء، وبجملة حيادية مكثفة، لا مبالية، مش عارف ليه عايز أقوله كده، بس الأكيد أني بحبه جدا.

Friday, August 19, 2016

كمتورط في مسيرة ثورية على الشجرة




لم أعرف يوما من هو الثوري. لذا ظننت في بدايات القيامة الأولى لما نعرفه أنني هو. ثورة في القلب خير من 
عشرة على الشجرة. إيماني يميل دائما نحو قيم كتلك: عدل، حرية، حق، مساواة. قبل أن يميل شكي إلى كونها محض خرافات وأوثان جديدة. وأن بنفس الأسماء نُنهب، وإلى السراب نسير.
لم أعرف يوما من هو الثوري. لذا عرفت في بدايات القيامة الثانية لما تمنيناه أنني لست هو. لم أقبض يوما على الجمر، أنا أكره الألم الخفيف وأفضل ألا تستبدل سيئاتي بشوكة في قدمي المؤمنة. تبدو الثورة في أوقات كثيرة ورطة كبرى لشخص مثلي، برجوازي النزعة ولو أنكر، مثقف مجده الخاص ولو اختبيء في محبته للفيديوجيمز وألعاب الأون لاين والصراخ الزائف للكرة، يخاف الفقراء  ويقطع معهم دابر الكلام ثم يدفن نفسه في أحاديث دائمة عن حقوقهم، فخرافات كتلك جيدة في الكتابة وحلوة في الصور. موهوب تخونه المعرفة، عارف تخونه الموهبة، يقضي حياته مؤرجحا على حبل كهذا كلاعب سيرك، سينتهي مشنوقا بحبله، هذا تعريف مبالغ كعادة من ربتهم دراما أسامة أنور عكاشة ، التعريف الأدق والأبسط: شخص سينتهي عمره قبل أن يعرف كيف يضبط مذاق قهوته.
أكتب طيلة اليوم متحررا من الله بينما أستغفره في فراشي وأخبره إن كان الغفران مستحيلا، فسيكفيني أن يتفهم، والله وفقا للكهان وللثوار ليس ثوريا. لكنه يعد بشيء أكثر راديكالية من طموحنا، ففي فردوسه، سنتحرر من أوثان العدل والحرية والحق والمساواة، فلا حاجة لنا فيهم بعد انتهاء اللعبة وانطفاء الأحقاد. إنه يخبرنا إذا ما نحينا الوسائط جانبا أن كل شيء محض لعبة وأن الدماء المهدرة قد تكون في النهاية لازجاء الوقت وأن دنيانا لا تستهويه، حتى أنه أخفى نفسه كمفاجآة: قد لا أكون هنا أصلا، وقد لا تلتقون إلا العدم، أما الفردوس قد يكون سرابه ضروري كزمبلك اللعبة. إقطاعيوا الحسنات لديهم كل الحق في أن لا يحبون كارل ماركس، بينما البراجوزيون من أمثالي، العالقون بين نفاق الخير والمحبة المكبوتة للشر ، سينظرون إليه بعين من تزلف وعين من ريبة. بينما نعرف أن البروليتاريا ليست دائما على حق، حتى بعد أن بدلنا تسميتهم من أجراء إلى مستهلكين لعظات الكهان والثوار وفلول التوك شوز وخطب الجنرال. زبائن طيبون لن يثوروا أبدا –عكس البرجوازي- على سوء الخدمة. إنهم أنذال يا الله، ألهذا تحبهم كما أحبهم ماركس، لأن الأنذال، مساكين بالروح.
لم أعرف يوما من هو الثوري، يقولون أنه بين الناس، بلا تناقض ولا خيانة. ليس أنا ببساطة. ففي لعبة الكراسي الموسيقية تلك، لن يتبقى سوى كرسي واحد. والمنافسة شرسة وصدري المليء بغبار الإيمان والشك والدخان، لا يساعدني كثيرا، ولا يملك متسعا للقنابل المسيلة للدموع.
الثورة في مكان لم أنله، مطرود منها كطرد آدم من عدن، مكان لم يحدث، لأن خطيئتي في نظر الثوري "خطيئة أصلية" ملعون بها إلى الأبد. في غرف الاعتراف، سأخبر كهانها بكل شيء: يا أبتاه.. لم أقم صيام الصمت حين وجب، وفشلت في صياغة الكلام عندما أدركته. ولم أتطهر أبدا من إثم الكلام. ولم تغادر دماء لم أسفكها ياقة قميصي .
أنا أحب القديسين، الحقيقين منهم كفكرة مجردة، ولا أظنهم يحبونني. القديسون يحبون الجمر، ولا تقنعهم معجزات الشوك. أحب العائلة، أخون العائلة. أقدس هدوءها الطفولي وأضج من تكدسها بالسأم. الثوري قربانه ذبح العائلة والبرجوازي لا يذبح عائلته، يخونها، لكنه أبدا لا يذبحها. قالوا في بدايات قيامة مانعرفه أن الثوري شخص لا يخاف حكومات البطش، لكنه يخاف من أمه. كاذبون. كنت مطمئنا في البداية إلى تعريف كهذا، ومتعاميا عن كونه لا يصفني. أنا أحتقر البطش وأخافه، أحب أمي وكففت عن خشيتها. لقد كان ذلك قرباني، لكنه لم يقبل على مذبح الثورة ، ماذا أفعل وأنتم كالله تفضلون اللحم على الزرع؟. الثورة أصلا ضد العائلة. والعائلات تحب حفلات الشواء والنميمة، لقد حُبست العائلات طويلا داخل كهف أفلاطون، حتى أنها لم تعد تعرف أين تكمن المتع، يظنونها في جلوس هاديء أمام حلقات آراب أيدول، حيث ينتظر المحكمون والمتفرجون دوما انبعاث ثان لأم كلثوم في حنجرة ما. انبعاث لن يحدث. كما ينتظر المؤمنون المسيح والمقهورون العدل والثوريون كوميونة باريس، لو حدث الأمر لخروا صاعقين من رعب تجسد الأشباح. لا يحسن المرء دوما الحذر مما يتمناه.
لن أعرف أبدا من هو الثوري. لكنه دوما ما يعلق ذنب الدماء فوق قميصي. ويشير إلى نفسه بشيء براق ونظيف ولامع على حساب وساخاتي. أنا مسيحه. هو لا شيء دوني. فلينظر إلي نظرة أخيرة وهو معلق فوق صليبه، ليرى كيف يمشي المسيح البرجوازي في الأسواق بكلمات الوداعة ومداهنة الخير والشر كي يمنحه الخلاص. سينكرني ثلاثا.
الثوري؟ لن يعرفني أبدا

Wednesday, June 22, 2016

روح العظة


لحظات التنوير قد تأتيك أحيانا على هيئة مقصلة. ألم خاطف تكمن رقته في حسمه. كأن تكتشف 
مثلا أن الذنب الذي كشط حلاوة عمرك واستنزفك تماما كان محض ألعاب لغوية، بنية من وهم. وأن ما عرفته، تعرفه، ستعرفه  ليس إلا محض أمراض أسلوبية شائعة. سينهار حينها كل شيء، وينبت مكانه لا شيء جديد، لا ندري كنهه، ولا مساره ولا إلام يفضي.
لو تخيلت للحظات مالذي ينكشف لرأس مقطوعة لتخيلت نورا يشبه الظلمة ورنين التخلص من الرجاء، يتبعه صمت الخلاص. إدراك لا ينفع، لا يسعى لأي فعل لا تغيير الماضي أو الحاضر أو المستقبل. يتداخل الفردوس والجحيم عبر لحظة الإدراك تلك، يصيران شيئا واحدا متقلبا، فيسقط الخير والشر، وتمحى الفوارق الفاصلة بين القديس والشيطان.

لحظات التنوير؟ كيف يمكن التخلص من روح العظة إلا برأس يائسة، رأس مقطوعة.

Saturday, June 18, 2016

كمحض حطب للنار


في المظاهرات القليلة التي نزلتها، كنت أقاوم شيئين: السعال والاندماج. الحشود مخيفة. يبدو الحشد
 الثائر من أجل الحرية، كفكرة ضد الحرية تماما. حتى خارج الحشود، ونحن مستلقون على مقاعدنا أمام الكيبورد، نصرخ وننكر. يبدو تعريف الثورة من أجل الحرية كأنه يسعى لنزع الإنسان عن سياقه الإنساني وقدرته على اختيار حدود قوته واستسلامه وأماكن زلاته وضعفه،  وتجريده من كل شيء إلا كونه وقودا للنار. لا يملك الحطب روحا أو خيارات. الحطب جاف ومضح وميت ليس أمامه إلا مهمة واحدة: الاحتراق للنهاية.
 أكثر ما كان يخيفني في أول عامين في الثورة، لم يكن الموت الأعمى الذي كان يصطاد "الأرواح الناصعة" من  تلك الصفوف، بل الثورة نفسها. أتذكر إنني خلال العامين كنت أخشى أن أكتب رأيا مخالفا لاجماع حشد غامض، بدا كرب لا يمكن رؤيته إلا عبر تعاليمه المشددة، أكثر إرهابا مما ثرنا عليه. كانت مقاصل "الثوار" عمياء أيضا. كأن قلق 25 يناير، وتدفق الأجساد الغاضبة والمنتصرة والمستعدة للموت في 28 يناير، ويوتوبيا الاعتصام، حيث يتجاور الجميع، ضد العدو الواضح، لم يكن أكثر من جلسة نفاق على مائدة الأسرة، حيث كل شيء يمكن اخفاؤه تحت الطاولة و ومرواغة الكلام بالفم المليء بالطعام، ما أن انفضت المائدة حتى انكشف الطقس عن خواءه.  كانت المواجهة الأشد بين معتصمي الميدان في الأساس. فكما ظهرت الخيانات "الإخوانية"، ظهرت "التعاليم" التوراتية لثورة تحرم وتحلل. تنفي وتطرد كرب، بينما هي مطاردة ومنفية كالشياطين من جنة عدن، وكالملائكة في بابل. ألم ندرك شيئا من بؤس هذا الطرد النهائي، واليأس الذي يولده غلق الرحمة؟.
 صمت وأنا أرى الأصوات التي تتحدث عن صوت واحد نهائي، ضخم كحشد في ميدان، السياسة تؤكل صوتا بعد صوت، تنفى لصالح أصوات حاخامات بلا معابد، كل نور يصلح للبناء حوله يطفيء بالبصاق، لم أكن أملك رأيا. كنت عند رأي الحشد، خوفا من الطرد. كنت حطبا. نزلت عدة مرات بعد ذلك بدافع الخجل والذنب. كنت أسمع الصوت القائل: أن الثورة ليست وجهة نظر. فأدفن رأسي خجلا، هل أملك حقا أن أدخر روحي وجسدي لخيارات أخرى؟ لم أكن بالطبع أملك الحقيقة، لم أكن أعرف أي المسارات أفضل. لكني أعلم أيضا أن إنساينتي كانت مهدرة، وأن مهمة التفكير كانت على عاتق كتاب التعاليم الغامض غير المكتوب الذي يديره كهنوت مغلق على نفسه. ففي هذا الكتاب السلفي: الكل خائن. ولا أحد يتحمل غضبة رب غامض تم تأليفه سرا وبغتة، يضاف إلى تعاليمه كل يوم تعليمات أشد قسوة. قد تكون أيضا خياراتي السرية خاطئة، لكنها لم تظهر إلى العلن بقوة الخوف. ماذا فعلت؟ لعبت اللعبة نفسها في النهاية أن أقاتل الآخرين كبربري  على سيادة صوت واحد لحشد بلا عقل. في آخر  حشد نزلته عند نقابة الصحفيين، كانت الأصوات القميئة تصرخ: اللي مش هينزل مش راجل. تلك المرة غالبت القيء لا الذنب. وتحاشيت السعال والاندماج في الحشد.
الآن، بعد الهزيمة الكاملة، وبعد أن عاد الخوف إلى مساره الطبيعي من العدو  الواضح . لا حماس لشيء. فقط حسرة وأمل كلما نبت دفناه. فالأمل مخيف أكثر من اليأس. لا يمكن للثورة إلا أن تكون ديكتاتورية، هكذا قال لينين، هكذا أكل الأرواح بعد انتصاره. مآساة مغلفة ببهجة الأناشيد. هزيمة يقودها الانتصار. ضعفاء يحتقرون الضعف.
الاتكاء على فساد الآخرين كمرآة للطهارة والنصاعة، كان يأكل شيئا ما في أرواحنا. يجعلنا نألف شيئا فشيئا هذا الفساد، يكسبنا قيمة وهمية، يجعلنا بشكل أو بآخر مستفيدين من وجود العفن طالما يبرز النقاء. يجعل الأراجوزات مسلية، ويحولهم من عفن  إلى ملح يجعل الطبخة أجمل، تلك الطبخة أكلناها وتبرزناها ثم عزينا أنفسنا بسوء صنعة الطباخ. القبح الذي ظننا أنه يجعلنا أجمل، أشعل الوهن بأسطورة أن الحق منتصر لمجرد كونه الحق. كأن الغباء لم يشكل العالم، كأن من هم خارج سياق التاريخ قد لا يضعون التاريخ كعدو يمكن التهامه.
كيف يرضى المرء باكتساب جماله من قبح ما حوله؟
في النهاية ورغم كل شيء، كانت الثورة هي أفضل ما حدث لي، بهجة مستحيلة، لقد غيرت حياتي ودماغي نهائيا وإلى الأبد، رغم وهن الروح والإيمان بتفاهة الجسد حد ادخاره لاقتناص اللطف  في الغرفة الهادئة التي لا تطل على الصخب.
 لعل الثورات تقوم من أجل نفس نقي لدقائق لا أكثر ولا أقل، يقول جي إم كوتزي لبول أوستر  في مراسلاتهما ربما ذلك أقصى ما في الثورات، ربما ذلك أقصى ما ينبغي أن ينتظره منها المرء، أسبوع أو اثنان من الحرية، البهجة بما لدى المرء من قوة وجمال قبل أن تحكم الشيخوخة الرمادية قبضتها وتعود الحياة إلى عهدها الأول"
انفض الجمع. وانتصر العدو  ولم يشبع من افتراس الأرواح "الناصعة " كعقاب إلهي على القيام بثورة. انهزمت أصواتنا، لكنها لم تغير نظرتها الإلهية لنا كمحض حطب للنار.