Sunday, November 13, 2016

الكتبة الحقيقيون



الكتبة الحقيقيون يحملون خرافات كثيرة عن ما يجب أن يكون عليه "الكتبة الحقيقيون".

أفكر في كاتب، أشعث مترب، مجذوب خرافي في شوارع المدينة، يفر عاريا من نصوصه القديمة، تلحق به في النهاية وتبدأ في أكله حيا، ثم تمحى كلماته، كلمة وراء كلمة، ونصا وراء نص. كان يفكر أثناء سلخ فروته، ممتثلا للنشوة، أن ما يحدث في تلك اللحظة هو أفضل نصوصه.

الصمت، تمرين الكتابة الوحيد الذي لم يخبرنا أحدا بشأنه. وجائزة الخلود لا تعترف أبدا بالجمال الخفي "للنسيان.

"الكتبة الحقيقيون" يؤمنون بنصهم، نص واحد طويل ككتاب مقدس لا تنتهي صفحاته أبدا، يمتد في نصوص الآخرين. لن ينقصهم العنف، لو امتلكوا السلاح لفعلوها.


Saturday, August 27, 2016

وكمان مرة أحمد ناجي.."المستقبل" في الزنزانة.."الميت في التلاجة ( شهادة شخصية)

*تحذير: نص طويل، غير مهذب أو محرر

إيه أكتر مسلمة الناس مابتختلفش عليها على الفيسبوك: إن أحمد ذكي ممثل عظيم. أفتكر يعني إن كانت واحدة من علامات عظمته وهوسه بالتمثيل المشهد اللي مثل فيه ميت ودخل  تلاجة المشرحة بدون دوبلير، دي نفحة كده من أساطيره. يعني دي آخر حاجة ممكن حد يضربها.
جه أحمد ناجي في مرة وراح خابط الجملة دي على الفيسبوك قبل سجنه بشهور: أحمد ذكي ممثل ميديوكر!!
اللي هو طبعا إنت هتشتم ناجي في سرك سواء بتحبه أو في المعسكر اللي شايفه خرفجي، واللي كنت منه لحد نص 2010، لما كنت براجع درافت نهائي لمجموعة قصصية داخلة المطبعة، وحسيت لحظتها- مش حتى لما اتنشر- بكارثة، كارثة اسمها إني قاعد بكرس مسلمات وبعيد إنتاج صور زائفة لمجرد أنها بتجيب مع الناس وإني وقعت نفسي في فخ كان المفروض أتجاوزه من سنين قبلها، وقلت لنفسي ساعتها: أنا مش هكتب كده تاني، ومش هقرا كده تاني، بس كانت دوامة مرعبة، خواء وفضا، وأرض الثقة في نفسك وفي موهبتك فاضية من تحتك، اسمها كل اللي تعرفه ميت زي أحمد زكي في التلاجة، ووصلك إنك تطلع للخراء المتغلف شيكولاتة ده، لكن نجدني منها سبع شهور، سبقوا الموقف ده بسنة كنت قعدتهم مع تلاتة، أحمد ناجي ونائل الطوخي وأحمد وائل في أخبار الأدب. كانت فترة متوترة دفاعية، وكنت أقرب للانعزال مش للاندماج والتخطيط للهروب من مكان بائس، لكني كنت براقب، وعينيا وعقلي راحوا على طول للي فارق التلاتة دول عن أغلب الأدباء اللي عرفتهم، حاجة فكرتني بلحظة قبليها في إسكندرية لما عرفت أميز بعد صراع إن اللي بينتجه أدباء "الكابينة" عبدالرحيم يوسف وسامي إسماعيل وباقي المجموعة عن أوهام قصر ثقافة مصطفى كامل، واللي بسبب التمييز ده قررت آجي القاهرة عشان احساسي إن معارف إسكندرية-وقتها- ممكن في لحظة تتحول لمعرفة" ميت في التلاجة" بيقول شعر أهبل شكله فخم في قصر ثقافة الأنفوشي مع ناس ميتة بتعيد إنتاج أشباحها، لكن الصحافة وقتها ( خصوصا الثقافية)، مهنة تكريس الصورة والبكاء على أطلال الميتين في التلاجة، عطلت الوعي ده جوايا سنتين، لأن لعبتها السهلة اللي خلتني أبقى متواجد بسرعة وثابت فيها كشغلانة مش طموح، هي أني هعرف بلغة حلوة أكرس صورة متخيلة جميلة وكل حاجة بس مش حقيقية، يعني ممكن أضربلك مثال مع الفارق: الليلة الكبيرة بتاعت صلاح جاهين، اللي بتوصف لحظة ما في الستينات بقت في الماضي عن المولد، اسأل نفسك كده سواء كنت صحفي أو مواطن نازل المولد، إنت بتروحه وبترجع منه بأنهي صورة، الصورة الحقيقية البشعة اللي هو عليها، ولا الصورة الجميلة المثالية اللي طرحها جاهين، ومع الزمن ماعدتش حقيقية، المولد فيه تحرش وسرقة وزحمة وناس جعانة بتروح عشان تاكل ومجانين بره الزمن، وبحيرة بول وشخاخ كبيرة في صحن جامع الحسين، لكن مافهوش يا غزال ياغزال ده العشج حلال، ولا الأراجوز الظريف، وماعدش مناسبة روحانية أو مسلية بأي حال من الأحوال. ده دايما مغري فشخ.
 أنتجت في فترة الاستسلام للعبة الصحافة دي، المجموعة القصصية الخرائية اللي حب الناس ليها، ما خلانيش للحظة أشك في زيف وخطورة اللي أنتجته (أي تكريس للصورة الثابتة عن الحياة هي خيانة للكتابة وللناس) ، نائل وناجي ماكنوش حتى لسه أنتجوا نصوص ناضجة زي نساء الكارنتينا ولا استخدام الحياة، لكن طريقة تفكيرهم كانت بتقول إنه فيه حاجة بره النمط، حاجة عرفت إن فيه "ميت" في التلاجة"، ظني إن الفارق ما كانش في الموهبة، كان في المعرفة. الموهبة أرض جميلة والمفترض تبقى مثمرة، لكنها خرافية زي حواديت الجنيات وبدون معرفة "حية" و"معاصرة"، مش معرفة" ميتين" في التلاجة"، هتفضل تنتج أشباح ميتين ماسكين في رقابنا. أنا أكتر كلمة سمعتها واتكتبت عني إني موهوب، وظني إني ماعرفتش ألاقي كتابة فعلية، حتى لو ببداية متهتهة ومتشنجة  غير لما ما بقتش أهتم أصلا بالجملة دي واعتبر نفسي ماسمعتهاش.
وسر المعرفة "الحية" دي ببساطة مش ملغز: افهم اللحظة اللي إنت فيها، تشكك في اللي اتقالك، راهن على صوتك بدون يقين..لأن الكتابة في اللحظة دي ماعادتش كتابة بناء على معيار كبير نهائي وخالص زي زمان، لكنها في ظني لحظة الأصوات المتفردة والخاصة، ده مش حكمي، ده حكم الزمن اللي كل شخص فيه على وجه الأرض عنده منصة تعبير لوحده على الشبكات الاجتماعية، واللي للأسف بدل ما يختار فيها صوته الخاص، بيستعير فيها الأصوات "المنتصرة"، ويبدلها في ثانية لو "اتهزمت". وبيساعد على ده إن أي صوت مختلف الناس بتاكله حي، زي أي لحظة بدائية في أي غابة متناكة، حد فيها قالهم إن ممكن نصطاد بالقوس مش بدراعنا، متهيألي آلاف الكفرة اتاكلوا قبل ما المؤمنين يقتنعوا بالقوس. آه بالمناسبة لو ماكانش عندك خبر، المعرفة ماعدتش بس في الكتب، عشان الزمن جاحد والمعرفة بتتطور أسرع من قدرة الكتب الاستاتيكية نفسها على الاستيعاب.
الكتابة ممكن تكون رهان على صوت متعثر، متهتهه، هيتماسك مع الوقت ويعدي تهتهته دي لمنطقة أنضج ولتهتهة جديدة زي ما هي برضه بنت الأكاديمية اللي بتطلع دكاترة ومهندسين ومدرسين وروائيين شاطرين. وعلى فكرة قالب الرواية أصلا من كتر ما اتهرس واتجمد واتكتب عن تكنيكاته بمساهمة أصلا من الأدب التجاري اللي محتاج يبقى نمطي عشان رهانه كله على البيع بقى أكتر قالب ممكن متوسطي المواهب يصبوا فيه حكايات حلوة، من غير ماتعرف تميزهم، يعني القالب ده أصلا ماعدش أملة، وكل الناس عندها حكايات، والحكايات دي ممكن تطلع حلوة عادي حتى لو طالعة من واحد نص موهوب.
هتقابل ناس كتير من حراس المعرفة "الميتة"، غالبا واثقين من نفسهم جدا، بيقولوا على أي محاولة" كسمها، إيه الخرا اللي إنت كاتبه"، ومثقفين مش هقولك مش مثقفين، لكنها ثقافة ميتة، مش قادرة تدرك إن النصوص الأساسية اللي بيعتمدوا عليها، ماتت، الزمن تجاوزها، وحتى لما بيعاد اكتشاف جوهرها، بيعاد اكتشافها على أرض تانية ومعرفة تانية، لكن ثقافتهم ماتفرقش في ظني عن ثقافة وكيل النيابة اللي حكم على ناجي، اللي هو كمان مثقف ببلاغة قديمة ورسمية منتهية وميتة لكنها تجاوزت الموت للعفونة، الناس دي ممكن تقولك في أشد حالاتها تطرفا نقدر نرجع الأربعينات الجميلة لو تكاتفنا، وفي أشد حالاتها تطرفا برضه بتبقى عايز تقاوم فشلها بإنها تعمل حاجة اسمها تثبيت الزمن، حيث المثال فيه بينتهي عند نجيب محفوظ ونجيب سرور ولما يتنحرر أوي يبقى محمود درويش ولما يتحدث خالص ويبقى مودرن يبقى وديع سعادة عشان نص العابرون سريعا جميلون بقى تريند لا يمكن مقاومته، ليه عايزين يعملوا كده، عشان ماحدش فينا هيبقى نجيب محفوظ ولا سرور ولا درويش ولا وديع سعادة، الأشباح مش هتعيد إنتاج نفسها فينا، وعشان ده بيخليه في منطقة أصلا آمنة، طالما الميتين مش هيرجعوا، يبقى ماحدش فينا هيكتب عدل، يبقى هو كده أمان وهيرفض أي محاولات تجريب اللي ما بيعبهاش فشلها في البداية أصلا، بالمناسبة نجيب محفوظ تخلص من عك الميلودراما والصدف ولقى صوته الخاص في اللص والكلاب (روايته السابعة)، ووصل لذورة مشروعه في الحرافيش وهو في عمر 66. طب أزايد أكتر، فيه كتاب كتير كل اللي جاننهم إن الرواية سمعت بسبب القضية في دول أوروبية وهتترجم، مختصرة المسافة الشاقة اللي بدعها نجيب محفوظ، وهوس الروائيين العجيب بإنتاجهم ونفسهم وهوسهم بفكرة تعميم نصهم في نصوص الآخرين.
نرجع لأحمد ذكي" الميت في التلاجة" –لو لسه فاكر-، يمكن ساعتها استغربت إيه اللي يخلي أحمد ناجي يقول على أحمد ذكي ميديوكر. فيه نوعين من الناس، ناس "سلفية" وناس "مستقبلية" بتعبير أرنولد توينبي، أحمد ناجي من النوع التاني، والاتنين بينهم جذور مشتركة، منها إن الاتنين عايشين في زمن مش موجود، زمن  مش هيحصل تاني، وزمن لسه ما حصلش أصلا. والاتنين راديكالين في رؤيتهم، عناف في تصورهم، والاتنين بينكروا الحاضر، بس مع الفارق، بين واحد بيشدك لورا، وواحد بيستشرف معاك أدام. لما تيجي تبص على المدرسة المعرفية اللي أنتجت أحمد زكي ويحي الفخراني ومحمود عبد العزيز ونور الشريف وحتى عادل إمام، وفي نفس توقيتها بره آل باتشينو وروبرت دي نيرو وجاك نيكلسون، اللي هو السحر نفسه يعني، هتلاقي (واعذروني لو كانت ملاحظات من متفرج مش متخصص) إنها مدرسة قايمة على فكرة التقمص، واللي مش بتلغي أصلا فكرة إنك عارف إن اللي قصادك بيمثل، واللي هي نتاج طويل عندنا وعندهم من مدرسة قايمة أصلا في بدايتها القديمة على المبالغات المسرحية زي زكي طليمات ويوسف وهبي، واللي فضلت تتطور بعد ما لغت المبالغات دي لحد ما وصلت لذروتها ونضجها معاهم..لكن بعد الذروة النهائية إيه؟ موت، وولادة حاجة جديدة. اسمها ليه التقمص، مادام لسه برضه يمثل، ويبدأ الأداء يروح ناحية إنه الممثلين يتكلموا عادي، طبيعي، شبهنا، وتبقى الموهبة اللي مش عارفين نشوفها ومستقبل التمثيل اللي ناجي شافه،  في القدرة دي على إنه يبقى طبيعي، عشان عينينا لسه ملوووحة عشرين سنة لورا، مستنين أحمد ذكي يصحى من التلاجة، وقاعدين نتحسر على الزمن اللي مش هيرجع، ما هو مش هيرجع، حتى لما الناس اتبسطت من محمد ممدوح في مسلسل جراند أوتيل، كانت أصلا بتقيس على معيار المحكمين في آراب أيدول اللي بيقيسوا قوة الحنجرة على معيار أم كلثوم النهائي، ونسيوا أن أي محاولة بره البرنامج لاستنساخ أم كلثوم وأحمد زكي أقصد المعرفة اللي بيطلع بيها النوع ده من الغنا نفسها انتهت. محمد ممدوح مش هيسيب أثر العظمة والخلود اللي سابه أحمد زكي، مش عشان هو مش ممثل شاطر، لكن عشان العكس عشان هو ممثل شاطر بس جوه شروط وزمن انتهوا.
بس في التمثيل، إحنا لسه في مرحلة وسيطة موت التقمص لسه بينازع، وصعود الأداء الطبيعي( وبكرر إنها ملاحظة مش من متخصص) بيطلع وبيطلع لحد ما يسود في المستقبل. ناجي عشان "مستقبلي" بيلغي في كل حاجة المراحل الوسيطة دي، هو شاف الميت في التلاجة، ومش هيطلع يضيع وقته إنه يشرحلك إنه الميت في التلاجة، لأ هو بينط المنطقة دي ويتكلم عن المستقبل –غير المضمون المثالي- مباشرة. عشان كده والله، مش مهم أصلا سؤال ناجي صح ولا غلط، جيد ولا رديء.
وده فارق مهم عند ناجي لما بيكتب، يعني عندنا تلات روايات مهمة بيحصلوا في زمن المستقبل، الكارنتينا لنائل وعطارد لمحمد ربيع، واستخدام الحياة لناجي، فيه فرق جوهري، مش السؤال فيهم الجودة، لأن التلات روايات في رأيي من أنضج وأهم تلات نصوص قريتهم للي ممكن أسميهم تجاوزا سن ما تحت السبعة وتلاتين مثلا، الفرق ده إن نائل وربيع بيحكوا عن المستقبل لكن هما فعليا بيتكلموا عن الحاضر، بيشرحوا إن الميت في التلاجة، وبيطاردوا آثاره وسبب استخدامهم لصيغة المستقبل إنهم عايزين يقولوا إن طول ما إحنا مش شايفين إن الميت في التلاجة مش هنوصل لحاجة، هنفضل في ندور في متاهات مفرغة بين المسخرة والكابوس. أحمد ناجي بقى بينط على دي، هو الميت في التلاجة عنده مسلمة، وقاله كسمك من زمان، هنعمل إيه بقى في المستقبل، فيبدأ يستشرف في ضباب الزمن اللي مش موجود ده، ما بعد النهاية، بداية جديدة بتلعن المسارات كلها، وبيتولد منها الحياة بعد الموت، حياة طازجة، متعثرة، مرتبكة، زي أي ميلاد.
لكن هل أحمد ناجي صح بخصوص إن أحمد ذكي ميديوكر، في ظني الإجابة مش مهمة، أهمية ناجي عمرها ما كانت إنه صح أو غلط، في أوقات كتير بيطلع غلط ورؤيته فيها استعجال كبير بتدراي طزاجتها وصحتها أحيانا، أهمية أحمد ناجي إنه خلاني أفكر ليه ممكن حد يقول على أحمد ذكي ميديوكر، وأوصل لإجابات تانية وأسئلة تانية مالهاش علاقة بالسؤال الأصلي، وكمان سؤال الرداءة والجودة اللي منايك الثقافة شاغلة نفسها بيه في شغل أحمد ناجي، كمان مش مهم، اللي بيلتمس بداية جديدة، ولو أنها أنضج وأكثر جودة في رأيي من خرافات إعادة انتاج أشباح الميتين، ده يبقى لا مؤاخذة كسم السؤال ده،، آه..أمك إنت..عشان لامؤاخذة لما يحد بيكتشف حاجة وثغرة في النفق، مش  يبقى السؤال الوحيد المنطقي إيه اللي بتهببه ده، لكن السؤال إنت لاقيت إيه؟، لكن عشان إنت جي تحاسبه بمعايير النص نفسه مش معترف بيها، وبيحاول يتجاوزها، عن خيال تاني مش بتاع النص النهائي والمعياري. أحمد ناجي هيبقى أحمد ناجي عشان هو اختار ده، ومش هيعيد نجيب محفوظ اللي ظني إن تعلق الناس بيه أصلا مش عشان أهمية اللي كتبه، لكن التعلق تعلق زائف ونفعي عشان الخرافة الشايعة والأمل اللي بياكل الأطياز إنه لو اتبعنا تعاليمه هننجو ونوصل للعالمية، عاش نجيب محفوظ كجوهر مش كسجان، كسمكوا..آه أمك إنت. ده لو كان نجيب محفوظ سمع كلام معاصريه وكتب زيهم ولا سمع كلام الأدب الملتزم اللي مينفعش تكتب عن البرجوازية ولا مادوشش دماغه بالفلسفة اللي ما فيش كاتب معاصر ليه التفت ليها، كان آخره بقى بست سيللر في معارض الشتاء والصيف.
وعشان كده برضه ناجي يغمز نائل في رواية نساء الكارنتينا في كونها رواية ملحمية، ناجي مش صح، لأنها واحدة من أكتر الروايات أصالة وقريتها وعشان عارف إن نائل ورا الوسوسة   بأفكار كتير مهمة وكتابات حلوة بنشوفها، لكن ناجي عارف إن المستقبل مش للنصوص الملحمية، وإن زمن الديجيتال بياكل الكلام، الزمن لنصوص الصوت الفرد، الفرد الواحد اللي بيتاكل حي ، وبيستخبى ورا أصوات مش بتاعته، عشان يحمي نفسه أو يثبت الزمن. النصوص دي اللي فهمها بجرأة هو الشعر، عشان متحررة أصلا من راس المال ومنظومة النشر بسبب استبعاده، عشان كده الشعرا قليلين آه، بس يقدروا يغيروا حياة الواحد لما يعتر على شاعر حقيقي فيهم.

وأخيرا، حاجة مالهاش علاقة ناجي، لكنها فرصة وتلكيكة عشان أوصل رسالة، لسه كلنا وجميعا، بما فينا ناجي، بنكتب من منطقة صوتها عالي، عشان الميت مطلع ميتينا، ومش راضي يسيبلنا نفس. عشان كده بتلاقي الكتابة الجديدة في بدايات نضجها نفسها في السخرية" الكارنتينا" أو الكابوس "عطارد" ، أو كيف ننجو يا ولاد المتناكة "استخدام الحياة"، دي كلها أصوات عالية، مش بالمعنى الديماجوجي، لكن بمعنى محاولة الانتصار على صخب الميتين، شخرة متقنة. لكن فيه منطقة لسه جيلنا ما سدهاش، وجيلنا دي تجاوزا، مافيش حاجة اسمها جيل، الكتابة من منطقة أكثر همسا، أكثر حيادية، اللي شايفه بيعمل ده هو هيثم ورداني وده سنه أكبر، لكن المعني بالرسالة، هو أحمد وائل، اللي مش عارف ليه ما بيكتبش، عشان هو بيفكر كده، بهدوء، وبجملة حيادية مكثفة، لا مبالية، مش عارف ليه عايز أقوله كده، بس الأكيد أني بحبه جدا.

Friday, August 19, 2016

كمتورط في مسيرة ثورية على الشجرة




لم أعرف يوما من هو الثوري. لذا ظننت في بدايات القيامة الأولى لما نعرفه أنني هو. ثورة في القلب خير من 
عشرة على الشجرة. إيماني يميل دائما نحو قيم كتلك: عدل، حرية، حق، مساواة. قبل أن يميل شكي إلى كونها محض خرافات وأوثان جديدة. وأن بنفس الأسماء نُنهب، وإلى السراب نسير.
لم أعرف يوما من هو الثوري. لذا عرفت في بدايات القيامة الثانية لما تمنيناه أنني لست هو. لم أقبض يوما على الجمر، أنا أكره الألم الخفيف وأفضل ألا تستبدل سيئاتي بشوكة في قدمي المؤمنة. تبدو الثورة في أوقات كثيرة ورطة كبرى لشخص مثلي، برجوازي النزعة ولو أنكر، مثقف مجده الخاص ولو اختبيء في محبته للفيديوجيمز وألعاب الأون لاين والصراخ الزائف للكرة، يخاف الفقراء  ويقطع معهم دابر الكلام ثم يدفن نفسه في أحاديث دائمة عن حقوقهم، فخرافات كتلك جيدة في الكتابة وحلوة في الصور. موهوب تخونه المعرفة، عارف تخونه الموهبة، يقضي حياته مؤرجحا على حبل كهذا كلاعب سيرك، سينتهي مشنوقا بحبله، هذا تعريف مبالغ كعادة من ربتهم دراما أسامة أنور عكاشة ، التعريف الأدق والأبسط: شخص سينتهي عمره قبل أن يعرف كيف يضبط مذاق قهوته.
أكتب طيلة اليوم متحررا من الله بينما أستغفره في فراشي وأخبره إن كان الغفران مستحيلا، فسيكفيني أن يتفهم، والله وفقا للكهان وللثوار ليس ثوريا. لكنه يعد بشيء أكثر راديكالية من طموحنا، ففي فردوسه، سنتحرر من أوثان العدل والحرية والحق والمساواة، فلا حاجة لنا فيهم بعد انتهاء اللعبة وانطفاء الأحقاد. إنه يخبرنا إذا ما نحينا الوسائط جانبا أن كل شيء محض لعبة وأن الدماء المهدرة قد تكون في النهاية لازجاء الوقت وأن دنيانا لا تستهويه، حتى أنه أخفى نفسه كمفاجآة: قد لا أكون هنا أصلا، وقد لا تلتقون إلا العدم، أما الفردوس قد يكون سرابه ضروري كزمبلك اللعبة. إقطاعيوا الحسنات لديهم كل الحق في أن لا يحبون كارل ماركس، بينما البراجوزيون من أمثالي، العالقون بين نفاق الخير والمحبة المكبوتة للشر ، سينظرون إليه بعين من تزلف وعين من ريبة. بينما نعرف أن البروليتاريا ليست دائما على حق، حتى بعد أن بدلنا تسميتهم من أجراء إلى مستهلكين لعظات الكهان والثوار وفلول التوك شوز وخطب الجنرال. زبائن طيبون لن يثوروا أبدا –عكس البرجوازي- على سوء الخدمة. إنهم أنذال يا الله، ألهذا تحبهم كما أحبهم ماركس، لأن الأنذال، مساكين بالروح.
لم أعرف يوما من هو الثوري، يقولون أنه بين الناس، بلا تناقض ولا خيانة. ليس أنا ببساطة. ففي لعبة الكراسي الموسيقية تلك، لن يتبقى سوى كرسي واحد. والمنافسة شرسة وصدري المليء بغبار الإيمان والشك والدخان، لا يساعدني كثيرا، ولا يملك متسعا للقنابل المسيلة للدموع.
الثورة في مكان لم أنله، مطرود منها كطرد آدم من عدن، مكان لم يحدث، لأن خطيئتي في نظر الثوري "خطيئة أصلية" ملعون بها إلى الأبد. في غرف الاعتراف، سأخبر كهانها بكل شيء: يا أبتاه.. لم أقم صيام الصمت حين وجب، وفشلت في صياغة الكلام عندما أدركته. ولم أتطهر أبدا من إثم الكلام. ولم تغادر دماء لم أسفكها ياقة قميصي .
أنا أحب القديسين، الحقيقين منهم كفكرة مجردة، ولا أظنهم يحبونني. القديسون يحبون الجمر، ولا تقنعهم معجزات الشوك. أحب العائلة، أخون العائلة. أقدس هدوءها الطفولي وأضج من تكدسها بالسأم. الثوري قربانه ذبح العائلة والبرجوازي لا يذبح عائلته، يخونها، لكنه أبدا لا يذبحها. قالوا في بدايات قيامة مانعرفه أن الثوري شخص لا يخاف حكومات البطش، لكنه يخاف من أمه. كاذبون. كنت مطمئنا في البداية إلى تعريف كهذا، ومتعاميا عن كونه لا يصفني. أنا أحتقر البطش وأخافه، أحب أمي وكففت عن خشيتها. لقد كان ذلك قرباني، لكنه لم يقبل على مذبح الثورة ، ماذا أفعل وأنتم كالله تفضلون اللحم على الزرع؟. الثورة أصلا ضد العائلة. والعائلات تحب حفلات الشواء والنميمة، لقد حُبست العائلات طويلا داخل كهف أفلاطون، حتى أنها لم تعد تعرف أين تكمن المتع، يظنونها في جلوس هاديء أمام حلقات آراب أيدول، حيث ينتظر المحكمون والمتفرجون دوما انبعاث ثان لأم كلثوم في حنجرة ما. انبعاث لن يحدث. كما ينتظر المؤمنون المسيح والمقهورون العدل والثوريون كوميونة باريس، لو حدث الأمر لخروا صاعقين من رعب تجسد الأشباح. لا يحسن المرء دوما الحذر مما يتمناه.
لن أعرف أبدا من هو الثوري. لكنه دوما ما يعلق ذنب الدماء فوق قميصي. ويشير إلى نفسه بشيء براق ونظيف ولامع على حساب وساخاتي. أنا مسيحه. هو لا شيء دوني. فلينظر إلي نظرة أخيرة وهو معلق فوق صليبه، ليرى كيف يمشي المسيح البرجوازي في الأسواق بكلمات الوداعة ومداهنة الخير والشر كي يمنحه الخلاص. سينكرني ثلاثا.
الثوري؟ لن يعرفني أبدا

Wednesday, June 22, 2016

روح العظة


لحظات التنوير قد تأتيك أحيانا على هيئة مقصلة. ألم خاطف تكمن رقته في حسمه. كأن تكتشف 
مثلا أن الذنب الذي كشط حلاوة عمرك واستنزفك تماما كان محض ألعاب لغوية، بنية من وهم. وأن ما عرفته، تعرفه، ستعرفه  ليس إلا محض أمراض أسلوبية شائعة. سينهار حينها كل شيء، وينبت مكانه لا شيء جديد، لا ندري كنهه، ولا مساره ولا إلام يفضي.
لو تخيلت للحظات مالذي ينكشف لرأس مقطوعة لتخيلت نورا يشبه الظلمة ورنين التخلص من الرجاء، يتبعه صمت الخلاص. إدراك لا ينفع، لا يسعى لأي فعل لا تغيير الماضي أو الحاضر أو المستقبل. يتداخل الفردوس والجحيم عبر لحظة الإدراك تلك، يصيران شيئا واحدا متقلبا، فيسقط الخير والشر، وتمحى الفوارق الفاصلة بين القديس والشيطان.

لحظات التنوير؟ كيف يمكن التخلص من روح العظة إلا برأس يائسة، رأس مقطوعة.

Saturday, June 18, 2016

كمحض حطب للنار


في المظاهرات القليلة التي نزلتها، كنت أقاوم شيئين: السعال والاندماج. الحشود مخيفة. يبدو الحشد
 الثائر من أجل الحرية، كفكرة ضد الحرية تماما. حتى خارج الحشود، ونحن مستلقون على مقاعدنا أمام الكيبورد، نصرخ وننكر. يبدو تعريف الثورة من أجل الحرية كأنه يسعى لنزع الإنسان عن سياقه الإنساني وقدرته على اختيار حدود قوته واستسلامه وأماكن زلاته وضعفه،  وتجريده من كل شيء إلا كونه وقودا للنار. لا يملك الحطب روحا أو خيارات. الحطب جاف ومضح وميت ليس أمامه إلا مهمة واحدة: الاحتراق للنهاية.
 أكثر ما كان يخيفني في أول عامين في الثورة، لم يكن الموت الأعمى الذي كان يصطاد "الأرواح الناصعة" من  تلك الصفوف، بل الثورة نفسها. أتذكر إنني خلال العامين كنت أخشى أن أكتب رأيا مخالفا لاجماع حشد غامض، بدا كرب لا يمكن رؤيته إلا عبر تعاليمه المشددة، أكثر إرهابا مما ثرنا عليه. كانت مقاصل "الثوار" عمياء أيضا. كأن قلق 25 يناير، وتدفق الأجساد الغاضبة والمنتصرة والمستعدة للموت في 28 يناير، ويوتوبيا الاعتصام، حيث يتجاور الجميع، ضد العدو الواضح، لم يكن أكثر من جلسة نفاق على مائدة الأسرة، حيث كل شيء يمكن اخفاؤه تحت الطاولة و ومرواغة الكلام بالفم المليء بالطعام، ما أن انفضت المائدة حتى انكشف الطقس عن خواءه.  كانت المواجهة الأشد بين معتصمي الميدان في الأساس. فكما ظهرت الخيانات "الإخوانية"، ظهرت "التعاليم" التوراتية لثورة تحرم وتحلل. تنفي وتطرد كرب، بينما هي مطاردة ومنفية كالشياطين من جنة عدن، وكالملائكة في بابل. ألم ندرك شيئا من بؤس هذا الطرد النهائي، واليأس الذي يولده غلق الرحمة؟.
 صمت وأنا أرى الأصوات التي تتحدث عن صوت واحد نهائي، ضخم كحشد في ميدان، السياسة تؤكل صوتا بعد صوت، تنفى لصالح أصوات حاخامات بلا معابد، كل نور يصلح للبناء حوله يطفيء بالبصاق، لم أكن أملك رأيا. كنت عند رأي الحشد، خوفا من الطرد. كنت حطبا. نزلت عدة مرات بعد ذلك بدافع الخجل والذنب. كنت أسمع الصوت القائل: أن الثورة ليست وجهة نظر. فأدفن رأسي خجلا، هل أملك حقا أن أدخر روحي وجسدي لخيارات أخرى؟ لم أكن بالطبع أملك الحقيقة، لم أكن أعرف أي المسارات أفضل. لكني أعلم أيضا أن إنساينتي كانت مهدرة، وأن مهمة التفكير كانت على عاتق كتاب التعاليم الغامض غير المكتوب الذي يديره كهنوت مغلق على نفسه. ففي هذا الكتاب السلفي: الكل خائن. ولا أحد يتحمل غضبة رب غامض تم تأليفه سرا وبغتة، يضاف إلى تعاليمه كل يوم تعليمات أشد قسوة. قد تكون أيضا خياراتي السرية خاطئة، لكنها لم تظهر إلى العلن بقوة الخوف. ماذا فعلت؟ لعبت اللعبة نفسها في النهاية أن أقاتل الآخرين كبربري  على سيادة صوت واحد لحشد بلا عقل. في آخر  حشد نزلته عند نقابة الصحفيين، كانت الأصوات القميئة تصرخ: اللي مش هينزل مش راجل. تلك المرة غالبت القيء لا الذنب. وتحاشيت السعال والاندماج في الحشد.
الآن، بعد الهزيمة الكاملة، وبعد أن عاد الخوف إلى مساره الطبيعي من العدو  الواضح . لا حماس لشيء. فقط حسرة وأمل كلما نبت دفناه. فالأمل مخيف أكثر من اليأس. لا يمكن للثورة إلا أن تكون ديكتاتورية، هكذا قال لينين، هكذا أكل الأرواح بعد انتصاره. مآساة مغلفة ببهجة الأناشيد. هزيمة يقودها الانتصار. ضعفاء يحتقرون الضعف.
الاتكاء على فساد الآخرين كمرآة للطهارة والنصاعة، كان يأكل شيئا ما في أرواحنا. يجعلنا نألف شيئا فشيئا هذا الفساد، يكسبنا قيمة وهمية، يجعلنا بشكل أو بآخر مستفيدين من وجود العفن طالما يبرز النقاء. يجعل الأراجوزات مسلية، ويحولهم من عفن  إلى ملح يجعل الطبخة أجمل، تلك الطبخة أكلناها وتبرزناها ثم عزينا أنفسنا بسوء صنعة الطباخ. القبح الذي ظننا أنه يجعلنا أجمل، أشعل الوهن بأسطورة أن الحق منتصر لمجرد كونه الحق. كأن الغباء لم يشكل العالم، كأن من هم خارج سياق التاريخ قد لا يضعون التاريخ كعدو يمكن التهامه.
كيف يرضى المرء باكتساب جماله من قبح ما حوله؟
في النهاية ورغم كل شيء، كانت الثورة هي أفضل ما حدث لي، بهجة مستحيلة، لقد غيرت حياتي ودماغي نهائيا وإلى الأبد، رغم وهن الروح والإيمان بتفاهة الجسد حد ادخاره لاقتناص اللطف  في الغرفة الهادئة التي لا تطل على الصخب.
 لعل الثورات تقوم من أجل نفس نقي لدقائق لا أكثر ولا أقل، يقول جي إم كوتزي لبول أوستر  في مراسلاتهما ربما ذلك أقصى ما في الثورات، ربما ذلك أقصى ما ينبغي أن ينتظره منها المرء، أسبوع أو اثنان من الحرية، البهجة بما لدى المرء من قوة وجمال قبل أن تحكم الشيخوخة الرمادية قبضتها وتعود الحياة إلى عهدها الأول"
انفض الجمع. وانتصر العدو  ولم يشبع من افتراس الأرواح "الناصعة " كعقاب إلهي على القيام بثورة. انهزمت أصواتنا، لكنها لم تغير نظرتها الإلهية لنا كمحض حطب للنار.


Tuesday, June 14, 2016

أنتيكخانة للعشاق

-1-
شفتِك
وانتى شايلة حمل الازار
وبتلضمى المقطوع
وبتخافى
أحسن تسهى
وتعشقى حاجة
لاتنكسر
-2-
هشرب كل حاجة
م الابرة أم تعريفة
للغنوة أم صاغ
صوتى شايل حبايبه
على اسطوانة مشروخة
"بعد العِشا"..
بيبرد كل شىء
عندى ..جرامافون قديم
بعته فى مزاد للأنتيكات والتحف
تمن الحاجات بتزيد
لما تتحول لأنتيكة
"بعد العِشا "..بتعضنى الساعة
الزمن بيتحول
لشزلونج للعيانين
هما هما ..ما اتغيروش أبدا
اللى لسة بشوق
بيحكوا
عن الابرة أم تعريفة
والغنوة أم صاغ
-3-
اتخض
لما حس إن اللى يعرفه
عن غابات القسوة اللى جواه
مش كتير
وإن عصير البرتقان اللى فى روحه
مش
كفاية
اتخض أكتر
لما اكتشف ان القسوة
ممكن تاخد أشكال ياما
لدرجة ممكن تخليها
فى منتهى النعومة والجمال
لما نزل من بيتهم
ابتسم للصبح
وللناس
وللعمارات
وللأسفلت
ولسواقين الميكروباص
اللى مارضوش يقفوله
ماكانش عايزيقولهم
إنه طيب أوى
هو يدوبك
كان عايز يطمن روحه
-4-
على كتف صندوق الزبالة
قطط سعيدة
وقط بيغنى لوليفته
عن الحنان
وقطة بتناغش عيالها
وتفتش بصبر
عن اللى باقى ..من بقايا الناس
وينفع
للعشوة الملوكى
ولليلة هادية
من الوصال
-5-
عشقنى ورد
فخبيته فى دمى
من ناس ماعشقتهوش
الناس اللى دايما
فى إيدهم ورد
بيلاعبوا بيه الدنيا ع المشاريب
الدنيا اللى دايما
مخبية كارت
مدرياه فى دمى
من ناس ماعشقتهوش
-6-
حتى
لما انحنى الوقت للعشاق
وحطهم على العرش
كل اللى قدروا يملكوه
شال حرير
وعقد فل
وخصلة من شعر أسمهان
وصندوق مزيكة
-7-
قام العجوز
يحيى ساعة الفجر
اتوضى من نور جبينه
أربع ملايكة وعفريتين من جن
نام الشيطان على جمر
نده العزيز :ياقوى
رد القوى :ياعزيز
وعند عتب الباب
رفع الآدان على كتفه
واستناخ له الطريق
فى السما
انكتبله النخل
والأرض باهت بيه
أربع ملايكة
وعفريتين من جن
قامت وقالت للعزيز:ياقوى
نده القوى :ياعزيز
-8-
شال الحمام شاله
لبياع عنب
وانحنت أسراب كتير من نمل
للكناس..
رفعوا الملايكة ست حبلى
للدور الحداشر
وغطوا نص رغيف
لواحد جعان
والسر رغم وعورته وإنفته م الخلق
فتح قلبه ببساطة للمجذوب
....
وحده كرباج الأمير
هو اللى لسوع وحدته
وقلقلوه الشياطين
فى النومة

-9-
هتسمينى فرقع لوز
وتركبنى على حمارة
شكلها مضحك
ومالهاش سرج
هسميها سندريلا
وأنا الأميرالوسيم
على فرس أبيض
وشفايفى أجمل م النبيت
مع إنى فرقع لوز
راكب على حمارة
شكلها مضحك
ومالهاش سرج
-10-

ست بتكبر
كل ما ياكلها الوقت
تأكل وشها مكياج
ست
بأوامر الدكتور
بتحزن بشويش
ولكن غصبن عنها
بتفرح على غفلة
شالها الوقت ..فشالت وياه
عداها الوقت ..فما بقتش تعد الأيام
"بشويش ..
بشويش"
صرخت أم العضم أخف
من بصبصة الجار
والنسمة اللى بيحدفها الشيش
-11-
فى شارعنا
ميكانيكى اسمه "على "
شاورت عليه الحدايات
فاتحول لقرنى ..
فى شارعهم
كانت سعاد بتغسل الكمترى
عشان وقت أبيض وناعم
شاورت عليها الحدايات
فباعها "على"
للعيال ع الناصية
وللحدايات
........
فى قلبى
شوارع كتير بتغسل الكمترى
للعيال ع الناصية
ويوماتى
بغافل الحدايات
مرة بعمل عبيط فى مولد
ومرة مجذوب فى حضرة
عشان ما تعرفنيش
-12-
فتشت فى ذكرياتِك
فى دولاب هدومِك
عنه
الحبيب
اللى سنة قلبه لولى
وشفايفه تين
واللى دايما زى سور
بينى وما بينِك
فتشت
بحرقة العاشق
ولوعة المخدوع
مالقتوش
مع أنه دايما زى سور
بينى وما بينِِك
-13-
القهوجى اللطيف
الى اسمه عادل
فهمنى درس لطيف
إن المخدوعين هما بس
اللى بيأيدوا الحب ع النوتة
وإن الحكمة اللى تنفع
واحنا بنتستقبل نهارنا
إن الشكك ممنوع
وإن حتى الابتسامة
لازمها تيبس
.......
لما قابلتها
واجهتها بالنوتة
اللى شايلة حساب مشاعرى
شالت مشالها
وجريت
تدور ع الحساب التقيل
عند ناس غيرى
سابتلهم
مشاعرها ع النوتة 
Top of Form
* أحمد الفخراني 2007

7 دروس مستقاة من أحمد ناجي


سجن أحمد ناجي، هو حكم محكمة بإدانة الذكاء والموهبة لا خدش الحياء. سيكره ناجي –قطعا- كل محاولات تحويله إلى "فلكلور شعبي". تعيش كتاباته في الأساس كمنجل قاس لحشائش الماضي والأيقونات التي تتحول إلى سم زعاف، أو معرفة تحجب المعرفة. لكن لاطالما كان أحمد ناجي، مثيرا للأسئلة، قاتل محترف لخرافات، محطما لأساطير الوعي الجمعي. الوعي الجمعي قد يصيب إجمالا، لكنه يخطيء تفصيلا. الوعي الجمعي ابن غريزة البقاء، حتى أنه لا يعي إنه في سعيه لطرد شبح الموت لا يحمي إلا الموت ذاته، وعي ناجي الفردي، هو ابن ذكاء تقصي الموت لاكتشاف المعنى المحجوب للحياة.
سجن ناجي في الأساس هو إدانة للمحكمة التي أخرجت أرنب الحقيقة "الداعشية" من قبعة الدستور المسحورة. حرب ناجي/حربنا، لم تكن ضد القاضي الذي أخبرنا في حيثيات حكمه أن دستورنا هو دستور للقرون الوسطى، يمكن استعماله كمحكمة تفتيش تطارد السحرة والمهرطقين وخادشي الحياء والخيال ومحاولة استشراف ما بعد "جحيم القاهرة"، لحماية "العائلة" وأخلاقها. جحيم في الأساس صنعته نفس الأفكار التي أدانت ناجي وروايته "استخدام الحياة".
المسارات فشلت، يخبرنا ناجي، والعدم وحده، هو الحقيقة الناصعة. العدم هنا ليس اختيارا مجانيا، بل هو الأكثر تفاؤلا وصدقا من الأمل ذاته. حيث يتحول "الأمل" من قبل حراس المعرفة والخيال من "معسكرنا" نفسه إلى "حقن" بوتكس" تأمل في أن يكون المسار الذي أنتج النظام أقل توحشا وأكثر لطفا.
الأمل في المسارات القديمة، في إصلاح الجذور، تجديد الخطاب، محض كذبة، ابنة سموم التنمية البشرية والأثر الباقي لانتظار المعجزة. هذا الأثر القابض ليس فقط في "المعسكر الآخر" بل أثر قابض على نفوس معسكر المثقفين والأدباء أنفسهم.
المثقفون –بلا تعميم- لم يتخلصوا من تلك الفكرة بعد: "بابا كان محقا في إدانتي، لكن علي أن أتمسك بفكرة ماما أنه لم يكن على بابا أن يكون قاسيا في حكم الإدانة، العتاب أفضل من الضرب". آراء بعض المثقفين لم تخرج عن تلك الفكرة، أنهم من داخلهم يصدقون فكرة أن النص مدان، لكنه يتجادلون في أنه " مش لدرجة تحبسه".
حرب ناجي كانت ضد مثقفين، ومارة وعابري سبيل، قراء صدفة، صحافة تقتات على النوستالجيا وتتعمد تثبيت الصورة، وكلاء نيابة حصلوا على مجموع متدن في نظام تعليمي فاشل.
وكيل النيابة، لم يكن خاليا من "ثقافة" أو "معرفة"، على العكس قام باستدعاء" ثقافته" و"معرفته" في مواجهة" ثقافة" و"معرفة" ناجي. ثقافة وكيل النيابة البالية ولكن "المكرسة والمجازة" انتصرت في النهاية.
في حكم الدرجة الأولى حيث حصل ناجي على البراءة، لم تكن هناك وسيلة لإدانة الاتهام إلا عبر كتب التراث "المكرسة والمجازة التي استخدمت "ألفاظ ناجي". الاستخدام نفسه الذي يدرك "ناصر أمين" محام ناجي تناقضه، ولكنها كانت حيلته/حيلتنا الأخيرة القادرة على النجاة.
هنا تحديدا يكمن الفخ الذي يعيشه مثقفونا يوميا، كل ما تُنصح بقراءته، كل ما هو مكرس، كل ما هو مجاز، كل الكتب الشهيرة التي قد تستفيض وتتعب لتحصيلها، قد تفضي بك إلى محض حارس لمعرفة ميتة، قد تَقتل وتُقتل دفاعا عن تكريسها. معرفة تمنع معرفة، تعيق الرؤية. قد تحيلك -وأنت تظن العكس- إلى محض رجعي "تنويري"، أو محض مثرثر، بالون منفوخ بكلمات لا تفسر الزمن وترسخ الموت.
لازلت أذكر بأسى. شاعر يخطو نحو الأربعين، لم يحقق أي شيء في حياته، ولا حتى قصيدة بها بيت يمكن تذكره. كان يدير قسم الثقافة بجريدة خاصة كبرى" –ابنة صحافة تثبيت الصورة والكيتش- يعامله الجميع بمهابة العارف، ويعامل الجميع بغطرسة" الموهوب الحكيم". أخبرني "الحكيم" ذات مرة عن تصوره لمستقبل مصر" يمكن لو تكاتفنا أن نعود بمصر إلى الأربعينات"، يقصد حركة التنوير المصرية وقتها. لكن ما تخفيه تلك الجملة البراقة، هي محاولات حراس" المعرفة" لتثبيت الزمن في الماضي وإيقافه عن التقدم إلى المستقبل. الماضي هو العزاء الوحيد هذا لهذا الشاعر عن فشل معرفته وفشل تحققه، فالماضي هو زمن لا يمكن إمساكه. عندما لا يتقدم الزمن لن يهزمه أحد، فكلنا نتساوى في الماضي. تصبح الحجة هي أن لا جديد صالح، كلكم فشلة لأنكم لم تعثروا على الماضي، ولم يظهر في أجسادكم الانبعاث الثاني للأسلاف المكرسين. صارت واحدة من علامات حراس "الماضي" بالنسبة لي هو أنهم لا يقرأون إلا ما يقرأه هذا الشاعر، "بروتوكولات حكماء ريش" و"هكذا تكلم زرادشت". فهم لا يقرأون إلا الكتب" المكرسة" و"المجازة". ثم يملكون "الصفاقة" ليخبرونا أن كل كتب" المستقبل" فاشلة، فهي لم تكتب في الماضي، ولم تعتمدها "الوزارة".





[i] العنوان مستوحى من نص لناجي بعنوان 7 دروس مستقاة من أحمد مكي

Saturday, June 11, 2016

العربي فرحان البلبيسي..الإنشاد ليتامي الله


٣٠  يوماً في زنزانة بمستشفى عسكريّ أثناء فترة التجنيدهكذا عرفت أغاني العربي فرحان البلبيسي من خلال صوت مصطفى“: شاب من الأرياف ينتمي إلى عائلة تعرف السترمتزوّج وأب لولدين، وكان قد قارب على إنهاء 3سنوات التجنيد قبل أن يبدأ سوء الحظ.
كان مصطفى يعمل كسائق لعربة متهالكة مخصّصة للمرضى من مستشفى إلى مستشفىوفي يوم فقد السيطرة على العربة ليصاب هو والمريض وتتحطّم العربة الخردةورغم أنّه لم يخل باتفاقه وأصلح العربة، بل أعادها كما السحر إلى عربة بحق وحقيق” بالسلف والدين، إلّا أنّه حكم عليه بالسجن الذي قضى أغلبه في السجن الحربي، وجاء إلينا ليكمل آخر 50 يوما في حبسهكان لمصطفى أن يمر على أيّام الحبس سالماً لولا أن الحكم يعني أنّه بعد سنوات ستفوته دفعة تخرّجه، وسيستمر فى الجيش لمدّة أطول.
كنّا كلنا نشعر بالظلم، مذنبون وأبرياء، بسبب تحكّم قوى خفيّة، لكن مصائبنا جميعاً هانت بعد معرفة مأساة مصطفى وأغاني العربي فرحان البليسي” التي خفّفت من وقع السجن وهو يذكر: “قصدت بابك ولا قصدت باب غيرك، أبات وأصحى وأنا دايماً على خيرك



مصطفى لا يصلّييتحدّث طيلة الوقت عن مغامرات نسائيّة خارج الزواج، ويسب الدين، ويفتقد البانجو، لكنه يحب الله ويتكئ عليه في مأساته، أو هكذا أدركنا عبر غنائه المرعب الواعي للبلبيسيلمناطق الأمان في إنشاده.
ينشد العربي فرحان البلبيسي عن الله، لكنّه لا ينشد له، بل ليتامى الله الشاردين في الطرقات، ومحبيه بلا مدد أو تقوى حقيقيّة، الحمقى والخطاة، مطاريد الحياة، الضالين عن الطريق لا أولياء الله.
هذا هو الفارق الجوهريّ بينه وبين ياسين التهامي مثلاًحيث الله في مديح التهامي مطلق لا يمكن التعرّف عليه، ولا يمكنه المساعدة في الحياة كفجيعة إلا بالتخلص من الحياة كقيدرب التهامي سامق لا يتم الوصول إليه إلا عبر طرق وعرة على سالكيها التمتّع بتقوى كاملة وعبور حجبوحتّى التقاط ما يغنّيه يتم بما لا يقاسبنشوة التوحّد مع المطلق عبر التوحّد.
رب التهامي لا يسير معك فى الطرقات الوعرة للحياة لعبورها، بل عليك أن تعبر في مسالك وعرة لا تعدك بشيء مضمون، حيث الله عزيز، وحيث المعرفة حجاب فوق حجاب، ولا أحد يضمن النتائج.
لكن البلبيسي يعرف الله بشكل أبسط، فهو سابل الستر” الذي يمكن إمساك إحساسك بوجوده عبر حسيّة دنيويّة، لا وجد يحدّث ربٌّ مشغول بصفاته، بل ربٌّ مشغول بصفاتك كضعيف فى مواجهة إيقاع الظلم للثابتالدنيا التي لا يدين البلبيسي شهوتها بغناء يجعل الله معنا على المقهى لا فى السماء.
وحيث لا أحد يطلب منك سوى ترطيب لسانك بذكر نبيه أول ما كتب القلم، كتب الله، وكمّل السطر بمحمد رسول الله“. وحيث سيدنا الحسين بابا الطبيب، والسيّدة زينب ماما الكريمة أم هاشم، وهم أصدقاء لا سادة ينادون فيلبّون“:

"أنا ليا أربعة ساعة الضيق بناديهم،
سيّدنا الحسن والحسين والسيّدة والإمام على أبيهم“.
يمزج البلبيسي بين الذّكر والوعظ الذي لا يشبه وعظ المشايخ، لكنّه يشبه خلاصة الحكمة العابرة للأزمان، ونصائح للطريق ورايات حتى لا يضل الحمقى، وعلامات لحفظ الإنسانيّة من أن تحيد أو تنسى، وذاكرة التجارب المتراكمة لمجابهة الحياة: “وعاشر الناس بالأدب تلقى الرضا على طول“.
ياما كان على الدنيا فتوّات يقولوا إحنا أحسن ناس
صبحم رمايم يا خويا ودهوسوا عليهم الناس“.
عبر عقود من احتكار الله على الكهنة، ومن تقديمه كرب يغضب لأقل الأسباب، معقّد في طلباته، ويتحكم فى التفاصيل الصغيرة للإنسان، ومقدمّاً خريطة عمل بالغة التعقيد للحياة اليوميّة، وحصول هذا المفهوم على تمكين اجتماعي هائل، يبدو مفهوم البلبيسي ومحبي غناؤه حجر مقاومة لطيف الأثركأنّه يذكّر بالسيرة الأولى لله كشريك لا كمراقب فى الملهاة، كراحم لا متوعّد شرس، يحفظه من الهجوم وينفخ فيه من صوته الجمال والرحمةفأصل وجوده الحماية لا العقاب، والمحبة لا الترصّد.
ينشد البلبيسي ضد التفتيش في الضمائر والمحتسبين على علاقة الرب بعبده، ويشترط الإنسانية قبل الحب كطريق إلى الله:
إذا كنت بتحب حب بس لازم تكون حساس
وفتّش على روحك قبل ما تفتش يا خوي على الناس
وانظر لبيتك قبل ما تفتش فى بيوت الناس
مصطفى القادم من الأرياف، والمتوكّئ على الله والحافظ لإنشاد البلبيسي ألهم الحل بعد خروجه من السجنفعند أول أجازة لم يعد مرّة أخرى إلى الجيش، بل واصل حياته ومغامراته ضد الإيقاع الثّابت للحياة والظلم، عافياً عن الحياة، وآملا فى العفو، عالماً بأن الدنيا شهوة لا يمكن إدانتها، وأن الله يعرف ذلك.

نشرت للمرة الأولى في موقع معازف