Friday, May 24, 2013

أكتب الآن..أكتب عن الآن



قطعا هناك طريق آمن للكتابة،طريق بأقل قدر من المخاطر،محفوف بالثناء المضمون،هل خضت فيه؟نعم قليلا،استمعت إلى التصفيق الحاد والممتع،ثم قذفت المصفقين بالحجارة والطماطم وصفافير الاستهجان،ثم عرجت فى طريقى،القارىء يعمل سجانا للكاتب فى المساء،لا يمكن انكار هذا،الكتبة فى الطريق الآمن،يقاومون تفكك أطرافهم.
الطريق الآمن،كان أقل مرحا،يحتفى بمنتظرى المخلص المنتظر والكاتب المثال،يعتقد رواد الطريق الآمن أن الكاتب المثال،لم يمت،لكنه صعد،سيعود روحا متلبسة فيهم،وحتى تحدث المعجزة،سيبذلون كل شىء لايقاف الزمن،لتكذيب الطرق.
الكتابة هناك،خارج الطريق الآمن.
 المرح؟ هل أكتب فقط من أجل المرح؟و من أجل الشهوة أيضا، اقتراف الذنب بكسر تصور مسبق عن الكتابة،والوقيعة بين شخص وبين تصوره الآمن عن العالم،إنها أشياء لطيفة وتدفعك دفعا للكتابة،الشهوة دافع مقنع،تكدير الصفو الاجتماعى أيضا،السلم العام،أنها وقود ملائم،لاقتراف فعل وقح كالكتابة.
التفاهة حقيقية أكثر من العظمة،العظمة وهم فى مخيلة كاتب ردىء.
لا أحتقر القراء-تماما-لكن عليك التخلص منهم بانتظام،لو فكرت فيهم،لاستنسخت حيواناتهم المنوية،لن تصير كاتبا ،بل مستنسخ حيوانات منوية مرموق.لمن أكتب إذن؟لقارىء على استعداد للتخلص منى،فور اكتشاف ومضة جديدة فى الأفق،يتناسب هذا مع طموحاتى ككاتب،أن  أتجاوز الزمن،أن يتجاوزنى الزمن،أن أصير نسيا منسيا،أفكار كالخلود تضحكنى الآن،فالعالم يقترب من تدمير ذاته،أى طفل صغير يقذف السلطة الهائشة بحجر عقب ثورتنا البائسة،يعرف ذلك،لا وقت للخلود،لا وقت للنجاة من التجربة.
دائما أملك نصيحة بخصوص الكتابة،فحتى قناديل البحر،لديها نصائح،حب النصيحة مرض مصاحب لكل كائن حى،لذا من الطبيعى أن يكون لدى واحدة:اكتب نشازك بجد،الجمهور سيقاتل من أجل الأوركسترا الوقورة والآمنة،مقاومته الهشة سيجرفها الرمل،نشازك سينجو لبرهة،ثم تأكله الريح،قبل أن تفعل،انتهز الفرصة،التقط صورة مبتسما وراضيا لنجاة نشازك للحظات،اجعلها بروفايل بيكتشر على فيس بوك،تفويت الاعجاب،أمر لا يليق.
إلى أى شكل من أشكال الكتابة،أطمئن؟الموت.
انتمى لتلك الفئة من الكتاب:المقامرون،الخونة،قناديل البحر،يوتيوب.أى فئة أكره من الكتاب؟الراسخون فى العلم.
أقدم على الكتابة بالوقاحة نفسها التى ينبغى أن أواجه بها العالم،بقليل من الاحترام لما ينبغى أن تكون عليه التصورات السابقة للكتابة وللحياة،مقابل ما أريد أن أكونه فعلا،بكثير من التجاهل لكهنة الكتابة.
كهنة الكتابة فى كل زاوية وركن،وعند كل بوابة،حراس الثقافة،يعتقدون فى الأسوار المعدة سلفا،بعضهم قراء،لكن الخبر المفرح:إنهم ميتون،فقط على أحد أن يترك لهم ورقة صغيرة ملونة تحمل تلك الملحوظة:عزيزى الكاهن..أنت ميت..انتبه لأطرافك المفككة.
ماذا تحملت؟الشك،الندوب التى يخلفها الذنب،المعايرة بالخطيئة،كلمات الميتين :الأدب الرفيع،الذوق العام،كان يمكن لروايتك أن تكون أسهل،كان عليك أن تكتب بتلك الطريقة،النسب البائس لكتاب لا أحبهم فقط لأنهم لم يقرءوا لسواهم.
اكتب الآن،اكتب عن الآن.

شهادتى عن الكتابة نشرت فى جريدة الأخبار اللبنانية ضمن ملف أعده الصحفى سيد محمود عن الأصوات الجديدة فى الأدب المصرى 


Wednesday, March 13, 2013

حوار صحفى بذىء


فى نهاية حوار صحفى استمر نص ساعة المفترض انه عن الرواية دار أغلبه حوالين الألفاظ"البذيئة" فى الرواية وضرورة استخدامها فى دفاع منى مالوش أى مبرر عن فكرة تجاوزها الزمن-جه السؤال ده 
-انت عندك أولاد؟
-نعم؟
-معلش جاوب 
_آه عندى ولد
-عنده كام سنة ؟
-ايه علاقة ده بالرواية؟
-هقولك بس قول 
-سنة وست شهور
-طب لو ابنك كبر وقرا الألفاظ البذيئة دى تفتكر هيبقى فخور بيك؟
-آه طبعا لما يكبر هيبقى فخور بيا لأنى أكيد هربيه أحسن ما انتى اتربيتى وأنا اتربيت هربيه يبقى بنى آدم 
_قصدك هيبقى متحرر يعنى 
-.........!!!!
(وانا مروح فكرت أنا ليه كنت بدافع عن استخدامى ألفاظ بذيئة فى الرواية فى حين أن السؤال ده هيفضل فى ذهنى كأكثر سؤال "بذىء اتسألته فى حياتى حتى لو اللى سأله كان بيدعى انه ضدها وانه اتصطدم لما شاف الألفاظ دى،حتى لو كانت نية اللى سأله طيبة)
الحكمة المستفادة:فى حاجات فى الدنيا أكثر بذاءة من ألفاظ فى عمل فنى )

Friday, December 21, 2012

لقد بلغت الروح الكسم


ثمة إشارات خاطئة بخصوص البرد،تحتاج إلى ما هو أكثر من الغطاء،البلوفر،الشراب فى القدم للحصول على الدفء،لازلت مرتبكا بشأن الأمر:هل أضع مطفأة السجائر على يسارى أم على يمينى وأنا أكتب :لقد بلغت الروح الكسم.
ما يزيد الأمر توترا،هو الدمل تحت الباط الأيسر،يذهب ويعود كغرز سكين منذ عام،يجعل الحركة تحت اللحاف دليل أن ثمة شىء خاطىء.
أفكر فى استخدام الميديا بشكل أوقع:سأرسل لقائمة أصدقائى،معارفى،مدرائى فى العمل على فيس بوك،تويتر،الموبيل،كلمة :كسمك.
سأخسرهم جميعا،سأكون أن فريند العام،سأحصل على ألف كسمك على أقل تقدير.
سأصبح وحيدا،لكن ربما وقتها،أجد الدفء،وينبع التسامح من القلب كجوهرة،سأقرر بصفاء أين أصدقائى،أحبائى،وسأقف كشيخ بلغ الحقيقة على ذكر من أهوى.
سأؤجل القرار ..لازلت أخاف الحقيقة،وأشعل حطبى من الإشارات الخاطئة.

Wednesday, November 28, 2012

"سيد قطب ..والأصولية الإسلامية"..عن خطابات الاستبداد فى الثقافة المصرية


من زاوية تحدد أهمية تناول دراسة ظاهرة الأصولية الإسلامية فى مصر،من حيث أن موقفها من العالم ينفى دور "عقل" الفرد فى تناول قضاياه استسلاما لسلطة نص الهى لا يمكن مناقشته،يربط د.شريف يونس (الكاتب السياسى وأستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان)  فى كتابه "سيد قطب ..ومصادر الأصولية الإسلامية "جوهر استبداد خطاب الأصولية بمثيله فى الخطاب الوطنى العام،الذى اعتمد كليهما الاقصاء الفكرى للآخر،وفرض" هوية واحدة على المواطنين،بقوة من أعلى،تفترض صلاحها ونقاءها.
مفهوم الدولة القديم،الذى كشفت ثورة 25 يناير عن وهنه،و بدأ مع "محمد على" مؤسس مصر الحديثة،قمعى بقدر ما كان تنويريا"-وفقا لرؤية يونس،فهو يجر المواطن المصرى إلى "التقدم" برؤية "الحاكم " واحتياجات دولته المتخيلة فى ذهنه لا حاجات مواطنيه، مما ترتب عليه اجراءت تتخطى "حرية الإنسان" و"كرامته" و"تنوع مصادر ثقافته"،"وتعدد هوياته داخل المجتمع الواحد":القهر مقابل التنوير،مبارك أو الفوضى،الإخوان أو حرب أهلية،هوية واحدة لها ملامح خاصة وثابتة مقابل تهميش للأقليات"،فسطاطين"الحق" و"الباطل"،فى مجتمع  لم يعد فيه المتدين بالضرورة يطالب باقامة الشريعة،ولم يعد فيه "العلمانى" بالضرورة مستبعدا أثر الدين فى حياة مجتمعه، عصر "الهويات المتشابكة".
لم يكن خطاب الأصولية الإسلامية بعيدا إذن،فقد نشأ جدل البحث"عن الحداثة" فى منتصف العشرينات فى مجتمع طبقى،يقسم نفسه إلى نخبة عارفة وجماهير جاهلة،لا تعرف حقوقها،الخطاب الذى ربما كان يتناسب مع عصر غلبت فيه الأمية،ويتم استعادته فى أشكال عدة الآن ،أسوأها قد يكون ما يمثله تيار الإخوان المسلمين ،الذى يتبنى رؤية اقامة مجتمع من أعلى،يتشابه فيه أفراده،مستعينا بما تبقى من آليات قمعية لدولة النظام السابق"دولة العسكر الممتدة منذ ثورة يوليو"،فى لحظة لم يعد فيها المجتمع مهيئا لاستقبال "ديكتاتورية" جديدة،تجره إلى "التنوير" أو "النهضة " المتخيلة فى ذهن الحاكم،فاللحظة هى لحظة "أفول" لمفهوم الدولة القديمة.
عبر خمس فصول،يحلل د.شريف يونس مراحل تطور فكر سيد قطب من  اقتحامه المحدود لمجال الأدب،إلى اقتحام "المجتمع" بمشروع "شامل ونهائى"،وأثر  فكرة الحاكمية التى طورها قطب عن المودودى "الفكرة القنبلة" كما اسماها الكاتب،على مجتمع فشل الخطاب الوطنى فى "تنويره" بالقوة.
التياران إذن"العلمانى"و "الإسلامى" منذ نشأتهما فى مصر كانا يبحثان عن تقدم "الأمة"،سواء عبر الاستفادة من علوم الغرب،أو بالعودة الحرفية إلى التراث الإسلامى،او بالمزج بينهما،وفى مقابل خطاب يحتقر "الغرب " ويطالب "بالحقد المقدس" نحوه،يوجد خطاب يستبعد منجز"ابن تيمية" ويشكك فى تراث الشرق بشكل عام.
يسقط شريف عبر بحثه أكثر من فرضية:فتحولات سيد قطب من الأدب "العلمانى" إلى "تكفير" المجتمع لم يكن تناقضا فى شخصيته أو أفكاره بل تطور طبيعى لخطاب مستند فى الحالتين إلى دور يجعل الأدب خادما فى قضية كبرى يهدف إلى اعادة تشكيل الناس على مثال واحد "الشاعر السامى والممتاز " عن الجميع،سواء فى طبعته التى كانت تفصل وفقا لرؤية قطب وقتها الأدب عن الدين،أو عندما دعا إلى أدب إسلامى يخدم تصوره عن "المسلم السوبر،السامى والمتفوق عن الجميع،وهى فكرة ترددت أيضا فى الخطاب العلمانى وقتها عن الفرد"السوبر مان".
تبدو رحلة قطب أيضا وفقا للكاتب نموذجا للتوتر الناتج عن عدم  التأقلم مع "حداثة" المدينة،و قيمها،وهو ما سيفسره فى نهاية الكاتب بوجود قطاع كبير من المجتمع،كان على استعداد لاعتناق مشروع سيد قطب،لشعوره بهذا الاغتراب،فى مجتمع لم ينجز ما وعد به من رخاء وتقدم،واحساسهم عبر مشروع يخدم قضية كبرى والهية،بالتفوق والتميز عن المجتمع،مع فارق جوهرى يطرحه يونس أنهم ليسوا فاقدى للشخصية،بل كانوا فى هذا التوقيت نواة تمرد على قيم سائدة بقوة القهر،وعلى فرض نموذج واحد لما يجب أن تكون عليه الشخصية المصرية،وان كانوا فى المقابل قابلوا القمع بقمع مماثل عبر تكفير المجتمع لصالح هويتهم هم تمهيدا لفرضها هى الأخرى بالقوة.
يرصد الكتاب،المرحلة الانتقالية من الأدب إلى الأصولية،والتى بدأ فيها قطب فى التخلى عن طموحاته الأدبية التى لم تكلل أبدا باليقين،وهى مرحلة اهتم فيها قطب،بالاصلاح الاجتماعى،مع انشاء وزارة الشئون الاجتماعية عام 1939 عبر مجلتها"الشئون الاجتماعية"،فى ظل روح عامة لدى "علمانيين أيضا كميريت غالى وحافظ عفيفى يطالبان بتحقيق اصلاح اجتماعى من داخل النظام يشترط"ابعاد الجماهير من حلبة السياسة".
عبر أكثر من مائة مقال كتبها قطب لمجلة الشئون الاجتماعية طرح فيها رؤيته الشاملة لما أطلق عليه "المجتمع المتوازن"،الذى "يهندس" من أعلى ايضا،والتى يرى يونس أنها تتغافل عن تكوينات" الأمة" المتناقضة والمتشابكة.
طرح قطب فى تلك المقالات عكس تصوراته الأولى عن الفن،تشديد الرقابة على الانتاج الفنى،كى يوجه لخدمة قضيته،واستخدام رجال الدين للترويج لمشروع "الإصلاح"،وهو ما تم استخدامه من قبل الضباط الأحرار،واستمر إلى الآن.
توحيد العقلية المصرية لدى قطب،كان صنوا لهوية محافظة،تستبعد المرأة وتقصر دورها على التدبير المنزلى ومربية للأجيال وفقا للنمط الواحد الذى يجب أن يكونوا عليه،وعدم الاقتداء بالغرب فى تلك الناحية،فقد كان قطب فى تلك المرحلة رغم عدائه لقيم الغرب"المادى" فى مقابل الشرق" الروحانى"على استعداد للاقتباس من الحضارة الغربية ما يفيد وفقا لدولته" المتخيلة".
لكن مشروع"المجتمع المتوازن" قد تحول من أفكار على ورق إلى ايمان بضرورة العمل السياسى من أجل تحقيقه،فبدأ فى إدانة الأحزاب وتعددها،ثم سرعان ما تمرد على النظام القائم،عندما شعر بإنه لن يستطيع أن يقدم رؤيته من خلاله.
لم ينضم قطب إلى جماعة الإخوان المسلمين،قبل ثورة 23 يوليو رغم علاقته الوثيقة بهم،التى رأى فى ضباطها الأحرار،نخبة جديدة قادرة على أن تساعده فى فرض رؤيته،بعد "فشل الشعب فى انتزاع حريته بيديه"،بل وأدان معهم الاعتصام العمالى الشهير بكفر الدوار،وطالب محمد نجيب بديكتاتورية "مؤقتة" فوق الدستور تعمل على تطهير الأحزاب أيضا،هذا الخطاب له مثيله فى كتابات تيارات ليبرالية وعلمانية،فى هذا العهد.
لكن سيد قطب سرعان ما انفض عن نخبة الضباط،بعد ادراكه أنهم لن يساعدوه فى تطبيق مشروعه،الذى يرفض باقى النظم الأخرى.
علاقة قطب بالإخوان بدأت عام 1950،لكنه حاول طيلة الوقت الحفاظ على استقلاله عنها،قبل أن يحسم أمره عام 1953،وتولى قسم نشر الدعوة بالجماعة التى كانت تشهد انقسامات حادة،نجح فيها الهضيبى بالكاد فى الحفاظ على جسد الكوادر الفعالة للجماعة،مع تجمد وظيفى.
قبض على قطب فى نوفمبر عام 1954 وحكم عليه بالسجن 15 عاما،تعرض فيهم للتعذيب،لكن السجن منحه فرصة تطوير أفكاره من مستشفى السجن،متوصلا إلى تقسيم المجتمع إلى غالبية تعيش فى جاهلية وقلة مؤمنة "عصبة" يقع على عاتقها "جر" المجتمع والدولة الكافرة إلى الإسلام وفقا لتصور قطب،قبل أن يعدم فى عام 1966  بعد افراج صحى قصير،كان قد نشر كثير من كتاباته أثناء فترة سجنه فى مصر:منها "معالم فى الطريق" و"المستقبل لهذا الدين". واستكمل نشر "فى ظلال القرآن"،رفض الاعتذار عن أفكاره محققا رغبة يؤصل لها يونس فى كتابه بالشهادة من أجل فكرته.
يرى يونس إن إنسان قطب"الممتاز" انسان مرعوب دائما على الإسلام من الانحراف،ولا خيار أمامه سوى للحفاظ على نقاءه سوى مزيد من الاغتراب،ليصبح مؤهلا لمحو "فردية الناس وإراداتهم بموجب التشريع والأوامر الإلهية"،فيصبح الإسلام فى مواجهة العالم،وترغب التيارات المواجهة فى تحطيمه.

الأفكار التى انتشرت فى السجون،وتبناها قطاع من المجتمع،عقب وفاته،وتم التوصل إلى نتائج فقهية بشأنها،وانطلقت تيارات تكفيرية من عباءته،فيما رفض الإخوان  المسلمين أفكار قطب،وكتب الهضيبى كتابه الشهير"دعاة لا قضاة" ردا على أثر قطب على جماعته،للحفاظ على احتكار الإسلام السياسى وصدارته،مضطرين وفقا للكتاب "تفصيل نمط تكفير خاص بهم" ويخدم أهدافهم فى مقابل فكرة تكفير المجتمع أفرادا ودولة".
يرغب الكتاب  فى طبعته الثانية الصادرة فى 2012 عن الهيئة العامة للكتاب  فى طرح أسئلة حول طبيعة الاستبداد فى ثقافة النخبة المصرية،وهو مشروع ممتد عبر 6 مؤلفات(منها سؤال الهوية،الزحف المقدس..،و5 ترجمات(منها البحث عن الحداثة،كل رجال الباشا) اختارها د.شريف يونس بعناية لتدعم أسئلته حول مفهوم وصاية الدولة عبر قهر مواطنيها وتوحيد عقليتهم وهويتهم سواء بحجج التقدم أو التحديث،يبدو فيها يونس كمن يطارد أثر الأفكار التى لم تعد صالحة لاعادة الاستنساخ من قبورها،ومع ذلك فلا زالت تطاردنا،وتجد من يطالب باعادة انتاج هياكل دعوة القمع الجديدة.
كتابات أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة حلوان تبدو مفتاحا مهما لفهم تناقضات اللحظة التى نحياها  وصراعاتها بل ومطالب ثوارها أيضا،تتجلى عندما تتسق مع شرطها الأساسى فى فضح تصلب الأيدلوجيا بوعى متجدد لا يطارد التاريخ بقدر ما يطارد استنساخه الهزلى فى الحاضر،وتقع فى هنات ربما  عندما تستخدم معول الأيدلوجيا فى هدم أيدلوجيا نقيضة.
الأفكار المتجددة والحية لشريف يونس الذى لم يعد يغرد منفردا الآن،لها أثرها الواضح فى كتابات جيل شاب من الأدباء والصحفيين والباحثين،جيل لم يتلقى الماضى كمقدس ولم يرصد الحاضر والمستقبل من لحظة ثبات.











Wednesday, July 11, 2012

رسول فرى لانس


لن يدين أحدا،سيحيا معهم كمجرفة.
خيط ماء،خيط فودكا،ثم يكشطهم جميعا.
من أرض مفككة،يتشكل الطيف،فى كل لحظة
لا يؤمن بأحد،لا تؤمن المجارف بأحد.
رسول فرى لانس،سيبلغ الرسالات عن الجميع،بالحماس نفسه،بالمرح ذاته ثم ..
ثم يكشطهم جميعا
-----
فى الليل،يتمرن على خدع السحرة،الفقرات التى تجعل منه محبوبا،بسيطا،مقتنصا للمودة.
فى الصباح،سيقرر:لن أحرق الخدعة،ساتركها أسفل السرير،مصونة من دنس الفرجة.
فى المرآة،سيؤدى الخدع لنفسه،ويندهش.
------
تخففت من الطيران،كان ثقلا،حجرا،قايضت الأجنحة بتعلم خدعة جديدة.
-----
يا عجوز..أأديت الأمانة؟
يجيب:تركتهم عند المنحدر..يروون أكاذيبهم ..دوافع براءتهم..صدقتها جميعا،والهمتهم سبل النجاة من الحقيقة..تغاضيت عن ثغرات الحكاية ..أودعتهم مفاتيح روايتها بحبكات أدق..ثم ...ثم ..
لست عجوزا..لا عمر لى ..أنا طيف..مجرفة..خيط ماء،خيط فودكا..اتمرن فى الليل على البراءة..اتشكل فى كل لحظة..بلا ايمان أؤد الأمانة.

Tuesday, July 10, 2012

مقتف الأثر


الكتابة غائط،اترك به الأثر.
انه هنا،اشعر به،قيد رائحتى،كلما اكتشفت أرضا،حرقها..يعتقد أنه ان تبع أثرى،سيفوز،يتجهز لمعركة نهائية،قاصمة.
أنا مستعد..،اتجهز للهزيمة،كما أرادها.
اتخيل أشكالا عديدة للفناء،أشدها رعبا،ثقب فى الحنجرة،أشدها ايلاما:العمى،أكثرها مودة:الجنون.
الكتابة غائط،امحو به الأثر..الظلام،أخضر كعرق نتن..لا مدخل،لا مخرج.
مقتف الأثر،يقتل أثرى.
فز..فز..فز..
يمكن اتيان الشر من الخلف...هل ترى الرعب؟
انه محيط،لا مدخل،لا مخرج.
هل تفكر فى الهرب؟
----------
 يقف فوق عاصفة،تذوب القنبلة فى فمه،ليس خائفا،من إسته تخرج زخات البرق،تضىء للقادم طريقه.
كان منهكا،مقتف الأثر،لكنه متماسك،بلغ أثره،ابتلعه،نسبه إلى نفسه،رواه كما أراد.. أى نصر؟
اختفى الواقف فوق العاصفة،انفجر كمطر،فوق مقتف الأثر.
الواقف فوق العاصفة،ذاب فى العراء كفضيحة
----
كاميرا وحيدة،تتمشى فى الهواء،تلتقط الصور،تعلبها فى كراتين،تحفظها فى أرشيف عند رجل لا يميزه شىء،سوى وحمة فوق صلعته،ثم يعيد اطلاقها فى الهواء.
كاميرا أخرى،عين نصف مغلقة،نصف مهتمة..كاميرا،شحيحة الصور،تتحطم،فى معركة فى الهواء مع كاميرا الرجل الأصلع.
الصور الشحيحة،التى ترقص فوق الجنون،مع الوقت تصل لكاميرا الرجل الأصلع،يطبع منها الملايين،يبيعها،يتحدثون عنها بوصفها الندرة،اكتشاف المنجم.
------------
انهم يسرقونك..يعلبونك فى الكاميرا،يريدون للصورة ثباتها،سيكبلونك فى إطار..تتركه لهم فارغا،فتلعُن بقص سيرتك الأولى فى الإطار..كان رائعا،ودودا،موهوبا،طفلنا البارع،وأراجوزنا المسلى ..يعرفنا..لكنه ضل..سيمحون أثرك..بالسيرة الأولى..القتلة.
--------
أثرى بلا يقين..أثرى محطم.. سراب يتغوط..فز..فز..فز
-----
كقاتل،سيعرف أى متاهة يقذف فيها مقتف الأثر..: ذاهب للانتحار..اتبعنى..ساستمنى فرص العظمة،خلف تل اللاشىء.


Friday, June 1, 2012

وجوه أسامة أنور عكاشة .."حكواتى" الساعة السابعة

Add caption
كان هناك زمن يدعى «زمن أسامة أنور عكاشة»، كان مسلسل الراية البيضا، فى السابعة مساء، وقتاً يختفى فيه المارة فى الشوارع، لمتابعة الحرب الدائرة بين مفيد أبوالغار وفضة المعداوى، وبين سلطة العقل وسلطة البلدوزر. زمن دفع د. عبدالقادر القط إلى نحت مصطلح الأدب التليفزيونى، ليفرق بين الدراما قبل ظهور صاحب ليالى الحلمية وبعده. كان المصريون ينتظرون حكواتى الساعة السابعة، الذى رفع المسلسل درجات ودرجات ليمنحه ثقافة الروائى وحس الفيلسوف وقيم المصلح الاجتماعى. كانت مسلسلات عكاشة واحدة من رايات التنوير، لم يكن مجرد حكاء للتسلية، بل كان رجلاً يحمل مشروعاً ورؤية. بدأ صاحب المشروع الذى تأثر كثيراً بنجيب محفوظ من النقطة نفسها التى انتهى إليها أستاذه، ثورة 1919 إلى بداية التسعينيات، مبرزاً التقلبات التى مرت بها مصر، معلناً هويته كمناصر لأحلام 
الفقراء ضد أزمنة لا تنصرهم
فضة المعداوى..الجيل الأول للجنة السياسات
من يقتل من؟ الأثر أم البشر؟ من يهزم من؟ بائع الثقافة؟ أم بائع السمك؟.. من لا يملك سوى أفكاره وإدراكه المختلف للحياة؟ أم السيد الذى لا يمتلك سوى قوة مص الدماء والأفكار والحياة ليستمر سيدا على عرش من جثث ضحاياه؟ ثمة قوة هائلة جعلت الشمس والقمر على يمين فضة المعداوى، ثروة صنعتها الصدفة، تتحكم فى المصائر، فى علاقات البشر، تشترى الشهادات التعليمية المزورة لأبنائها، تخفى تاريخها التافه والمشبوه، وتختلق تاريخا مفبركا، لولا أن ظهر حجر يفضح اللعبة: كل ما تملكينه لا شىء، كان ذلك الحجر هو فيلا مفيد أبوالغار، قبل أن يصبح الحجر هو إرادة السفير السابق الصلبة. كيف بنت فضة المعداوى مجدها الصارخ؟ على أكتاف الضحايا، بدأت بـ«غزة مطواة» فى بداية الطريق لأحد منافسيها فى بيع السمك،لكن استمرت التضحيات، قرابين المجد، ضحايا بلا عدد لتستمر الإمبراطورة على عرشها. كان كل شىء معدا لينتصر بلدوزر فضة المعداوى، على فيلا مفيد أبوالغار، التى حملت كل القيم المهزومة سلفا، فى مجتمع قرر أن يجعل الفهلوة قانونه والمال جبروته. البلدوزر المخيف رمز السلطة الغاشمة فى مقابل الأجساد الهشة، القوية بإيمانها ضد كل ما مثلته فضة. البلدوزر رمز حماية السلطة لنفوذ من لا يرى فى الوطن أكثر من مشروع مربح. كانت تظن أنها على قمة كل شىء، حتى جاء رفض أبوالغار المباغت لبيع الفيلا، رغم العرض الخيالى، لتكتشف فضة المعداوى بفطرتها، الحقيقة. كل ما تملكه لا شىء لا الثروة، ولا القوة. بعد أن يفشل استعراض القوة والنفوذ، لن تجد فضة المعداوى بدا سوى شن حرب قذرة، استخدمت فيها القانون لخرقه، وكيفت الجريمة لجعلها قانونا. لم تفهم سبب رفض أبوالغار، فسرته على أنه «عنيد ومتعنطز»، لتتحول قضية الفيلا، من مجرد عقار إلى محاولة انتصار على هذا الرفض، الذى جعلها تتشكك فى قيمة ما تملك. كانت قد بدأت تكتشف ما يملكه أبوالغار ولا تملكه هى: عمله كسفير سابق، شخصيته القوية، قدرته على تحديها، تاريخ شخصى يقاوم تاريخها المختلق والهش. عندما شنت الصحفية «أمل» حملة ضد «فضة» باعتبارها رمز الجهل والتى لا تقدر قيمة «الثقافة» و«الفنون» لم تضيع بائعة السمك وقتا. قررت أن تشترى تلك «السقافة» وأن تصبح راعية «الفنون». فضة ليست مجرد بائع سمك، بل رمز لكل قاتل، كل شخص يدفع الناس فاتورة طموحه بدفنهم أحياء. القضية لن تنتهى عند فضة المعداوى، فأبناء فضة المعداوى سيتحولون إلى أباطرة بمستوى تعليم أرقى وملابس فاخرة، سيتاجرون فى كل شىء، ويقتلون كل شىء. سيتطور معهم الطمع من الاستيلاء على فيلا للاستيلاء على وطن، سيرسمون سياساته، ويحددون مصائر أبنائه. على أبناء فضة المعداوى، قامت الثورة. من أجل أبناء فضة المعداوى، تُقتل الثورة. فالبلدوزر لا يعرف التوقف، يعرف الهدم. البلدوزر يختبىء، ينتظر فى الخفاء لقمع وعى من أدركوا أن فيلا مفيد أبوالغار لم يكن لها أن تُمس. فضة زلزلتها «ثورة» أبوالغار من «الداخل، عرت حقيقتها وحطمت يقينها.. لكن أين
يختبئ أبناؤها؟.
عبدالفتاح ضرغام.. الولى العاشق
عبدالفتاح ضرغام، مدرس إلزامى، يقرأ القرآن من أجل الرزق.. تعثر عليه امرأة، أو يعثر عليها: عايدة، المرأة الثرية، واللعوب. يقع أسير عشقها، معذب بلا أمل، لا يحظى بمحبوبته، لكنه يحصل على الولاية، يبنى له فقراء الناس، مقاما إذا مات يدفن فيه لتحيا كراماته. لم يكن عبد الفتاح، يظن أى شىء فى نفسه، لا قدرته على العشق، ولا تنصيبه للولاية، لم يكن يرغب حتى فى أى شىء سوى مصير هادئ، ليل طيب ونهار بلا مشقة. دون أن يقصد عبدالفتاح وقع المحظور، ليدخل فى المتاهة التى ستجعله أرق وأشف فصار وليا، يملك ياسمين وبنفسج العشق، دون أن يحصل على رحيق المعشوقة. بدأ الأمر كلعبة من صديقه الخواجة، بشر عامر عبدالظاهر، مجرد نكتة ليتسلى، فجعله يرى عايدة، ليبدأ رحلته كمجذوب، فيما ينطق بالهذيان، عايدة تقابله بالضحك، بالاستهانة، التى تنقلب إلى ذعر. يقتله الوجد، وضرب الشرطة، التى استدعتها عايدة، يموت، لكنه من جديد يحيا، بعد أن يغسل ويدفن، يتحرك من القبر، لتبدأ حكايته كولى، صنعه الناس، بكرامة بعث الروح فى العاشق. يلتف الناس حوله، ينصبوه وليا، يلبسوه الخرقة الخضراء والولاية، يحولونه إلى حلم. عبدالفتاح يتشكك فى الولاية، لكنه لا يقاوم، يحاول أن يصدق أنه قادر على المعجزة، فما أن يلمس طفلاً حتى يشفى، وما يقرأ الفاتحة لامرأة حتى تنجب، يذهب إلى بيت عايدة، وفى شباكها العلى، فى السماء، لا نعرف أبدا إن كان طار ليترك لها منديل الذكرى، ويحصل على عقد الياسمين والبنفسج بديلا عن الحب. البوليس، لا يعترف بولاية عاشق، بمحبة الفقراء للفقير، لا يعترف بمن مست قلبه الحمى، فيقرر إدخاله مستشفى المجاذيب. فيهرب، لكن أتباعه يقولون إنه اختفى من أمام الجنود، يذهب إلى صديقه ومورطه فى الفخ: بشر، فيخفيه عند أهل زنانيرى، يتعرف على لون آخر من الحياة، حياة ثوار يقاومون الاحتلال. ثوار مجاذيب مثله، بينهم صافيون للفكرة مثله: عشق بلا أمل أو مطلب بلا مساومات، بينهم أيضا تجار يساومون بالفكرة، يخضعونها لقانون العرض والطلب.. ضرغام يجد نفسه بسهولة، مع عشاق بدون أمل، يستعيد صحته، تركيزه، ذكاؤه الفطرى، التفاف الفقراء والمنقبين عن الأمل حوله. يفرض الإنجليز الوصاية على الشارع ويغلقون محال المصريين،.. يجد ضرغام الحل، ببصيرة ولى وضمير عاشق: الناس.. الحل فى الناس. يذهب إلى فقرائه، تابعوا طريقته، يطلب منهم أن يلتفوا حوله من جديد فى موكب «الطريقة الضرغامية». التوحد مع هدف بلا مساومات، كان دواء العاشق المثالى، تلك الطاقة الجبارة على المحبة الخالية من الغرض، الصامدة أمام اختبارات الأيام، وتقلباتها، خيانات الطامحين والطامعين
حسن أرابيسك.. الجوهرة وسطـ ركام الروبابيكيا
لا شىء مثمر كالنخل، لا شىء مبهج كالنخل، لا شىء أكثر إغراء بقطعه كالنخل.. تلك مصر، التى عرفها حسن أرابيسك، مشروع النور المتعثر دوما بفعل فاعل، إن لم يكن من الخارج، فبيد الفجرة من أبنائه، المتربحين على طاولته. حسن، كالمصريين، ينام بنوم الواقع، ويتحول إلى كرباج نشاط وإبداع وموهبة، عندما تحين الفرصة، عندما يشعر أن ثمة أمل فى الجوار، أمل يجعله يتخطى قتلة النخل.. حسن غائب فى الحشيش، وجلسات العربدة، يخبئ صنعته وموهبته التى ورثها عبر أجداده، من انحطاط الزمان، من الأندال، من خونة يحيون على نفى من يقف فى وجه أرباحهم، من دود يعيش على الفتات.. يحمى نفسه من الضياع بالضياع، من الجو المسموم، بالدخان المسموم، يحافظ على كرامة موهبته، بتدنيس كرامته هو فى قعدات الليل.. تأتيه فرص العمل، يوميا، يرفضها، ولا أحد يفهم لم؟. كلها تبتذل السر الذى بين أصابعه، كلها ترغب فى نهش ما يعرف وابتذاله، شغل السوق العابر، أحكام العرض والطلب.. حسن، رغم كل شىء، هو سيد الشارع، حاكمه غير المعلن، الذى يفصل بين تشاحنات سكانه، ومعاركهم اليومية.. حتى تأتيه فرصة تستفز الفنان بداخله. فيلا د. برهان، الذى يرغب أن تكون استعادة لتاريخ مصر: أن تكون قطعة منها فرعونية، وأخرى فارسية وأخرى قبطية وأخرى إسلامية، نموذج للحضارات التى عبرت على مصر.. لا يجد برهان ضالته، سوى فى فنان اكتنز موهبته للحظة تليق بها.. يستعيد أرابيسك حياته، نشاطه، ألقه، جنون الفنان بداخله، يعيد النظر فى حياته.. كرسى مرصع بالجواهر، يكتشفه جاره وفائى الرسام، كان مجرد قطعة على حنطور بائع روبابيكيا، لا يعرف قيمتها، الكرسى الذى صنعه والد أرابيسك، ووضع فيه خلاصة موهبته.. لكن جلسة حشيش يجره إليها أحد العاملين مع زوج أخته، يقرر أرابيسك أن يقبلها على سبيل «مرة وهتفوت»، يثرثر فيها حسن عن الكرسى، الصنعة التى وهبها الاتقان كمالا وجمالا، لم يعد المصريون يعرفونه، تستغل المعلومة فيسرق الكرسى ويباع خارج مصر، لخواجة يعرف قيمة ما نملك، أكثر من مالكيه.. يبذل جهودا كبيرة لاستعادة الكرسى، يستعيده بعد جهد، يتعلم معه أن الزمن لا يعيد ما سرقه بسهولة.. فيلا برهان، تتحول هى أيضا إلى نهاية لمشروعه أو بداية له.. فبدلا من أن ينفذ المشروع كما وعد برهان، تفاجئ حسن بصيرة من نوع آخر، فيقرر هدم الفيلا، لا أحد يفهم لم؟. هدم الفيلا أفضل وسيلة لبنائها، ترقيع البيت من الداخل، ليس وسيلة بناء، مصر ليست فرعونية فقط أو قبطية فقط أو إسلامية فقط، ليست حكرا على شىء، حسن كان يسأل ما هى مصر؟، ما هى خلاصة تجاور كل تلك الحضارات.




شوقى..طريد"جنة " رضوان
تحت نفس الشمس، وفوق نفس التراب، يجرى شوقى وحافظ وأبناؤهما مدفوعين بالانتقام، نحو «السراب». تبدأ الأمور كصراع على جنة «الأب» وتنتهى باللاشىء. «شوقى» ابن «الجنة» ولذاتها، مجرد صاخب يحب الفن والسهر، معتمد فى ذلك على ما وفره له أبوه من مال صناعة الحلويات بينما حافظ «شيطان» الجنة الذى قضى العمر فى خدمة أبيه، دون أن يتذمر، إلا من شىء واحد «شوقى» الذى لا يهتم بالمشاركة على الملك والمال، قدر اهتمامه بأن ينعم بالجنة. شوقى، عازف العود، صاحب الصوت الجميل وهو يغنى لسيد درويش وسط «شلة الأنس» الذى سيعايره، بها حافظ، سيجد طريقه للعصيان، عندما يقع فى غرام زينب البنت فقيرة المعتدة بنفسها، مخالفاً بذلك رغبة أبيه «رضوان»، الذى يخطط لزواجه من بيت ثرى. يستغل حافظ، ميل شوقى إلى التمرد، يزين له الفكرة، يؤكدها، فيتزوج شوقى من زينب رغماً عن الجميع. فيطرده هو وزوجته إلى أرض الحقيقة: الفقر، الغرفة الضيقة، العمل فى وظائف رخيصة لسد الرمق. الأب سلطة تحمل شرعية وصاية لا تقبل الشراكة، عندما تتمرد عليها، تصبح عاقاً، مطارداً من الجميع، مشبوهاً، محاصراً. فى ليلة زفافه يخطط حافظ لإفسادها، بإقناع أخته أن تتهم زينب بسرقة مصوغات، لا لهدف إلا لضرب الحالمين بالحرية، فى أعز ما يملكونه: كرامتهم. يضطر شوقى إلى أن يعرف طعم الدنيا الثقيل من أجل حريته، فيقبل أن يعمل صبى حلوانى «مرمطون معمل». يمرض الأب، يرق قلبه، فيعيد شوقى مرة أخرى، إلى البيت، شريطة أن يعمل تلك المرة، يكتشف الأب خيانة حافظ وسرقته له من وراء ظهره، يطرده، ليعلن تحديه مرة أخرى بموته، تبدأ الحرب بين شوقى وحافظ على «السراب»، يتقاسما محال الأب، يراهن حافظ على أن شوقى لن يستطيع تحمل المسؤولية، لا يقنع بأحقية شوقى فى الميراث، يرى كل قرش فى إرث الأب حقاً له. لكن شوقى يفاجئ الجميع بقدرة على إدارة المحال. يسلط حافظ صنايعية على محال شوقى لإفساد بضاعته ذلك فكرة شوقى الجديدة، شراء عوامة على النيل بمرسى وحديقة، يقرر أن يحولها إلى محل حلويات كبير، به فرقة للغناء، الوسيلة التى تمزج اللعب بالعمل بإبداع عاشق الحياة. يفسد له طلبية كبيرة، ذاهبة إلى كلوب محمد على، كلوب الأمراء والباشوات، فتسحب رخصة محال شوقى، فى الوقت الذى يغرق شوقى فيه فى ديون مشروعه الجديد، بعد اقتراضه من البنك. لا يضيع حافظ الفرصة، ويساوم شوقى على أحلامه، يشترى المحال بثمن بخس. قبل أن يخرج من بيت حافظ، يقتل، وتعود النقود، حق أبنائه إلى حافظ. لتبدأ مأساة القاتل والمقتول متجسدة فى حقد أبنائهما.
أبوالعلا البشرى.. «دون كيخوت» المصرى
ذات ليلة، قرر أبوالعلا البشرى أن يغير الدنيا، وأن يتحرك من عزلته فى «سخا» ليقتحم القاهرة، ماراثون السباق بلا توقف والأحلام المهدرة. سبقت تلك الليلة، ثمانى سنوات من العزلة والقراءة، ومحاولة الفهم. لكن كتاباً واحداً جعله يحسم قراره: دون كيخوت.. محارب طواحين الهواء.. الذى يمكن أن تنظر إليه كمجنون فقد لغة عصره، أو مصلح اجتماعى، قرر أن يعيد أخلاق الفرسان إلى مجدها، ولو باختلاقها. عندما انتقل إلى القاهرة محاولاً إصلاح كل شىء، أربك حياة كل من حوله، مفسداً عليهم متعة جريهم فى السباق المحموم، فطردوه وأجبروه على العودة إلى قوقعتهم. حتى حدثت المعجزة، ودخلت أرضه الزراعية كرودن المبانى، ليتحول من مجرد «مجنون» إلى «مليونير». صار محور اهتمام عائلته التى أنكرته ثلاثا. تاجرت العائلة بكلمات، يعرفون أنها صالحة للسيطرة على «دون كيخوت» حسن النية، الذى يظن أنه امتلك السر، فإن كان سبب فساد من حوله هو السعى إلى المال، فليمنحهم المال، ليتوقف الصراع، على أمل أن ينجح مهندس الرى المتقاعد فى «ترويض» النهر. فعمر الفهلوى، وطالب الحقوق الفاشل، يحاول إقناعه بشركة لإنتاج الفيديو، لتعبئة شرائط تعليمية، ويتخذ القضاء على الدورس الخصوصية، مدخلا لإقناعه، بينما النية، أن يغير نوعية الشرائط بمجرد حصوله على الأموال. وزينات الأم وحب أبوالعلا القديم، والتى رفضته مرات، وطردته من منزلها عندما حاول التدخل لإيقاف مشروعها فى تزويج ابنتها الصغيرة لثرى، تستغل ذكرى الحب القديم بينهما، وتبيع له وهم «جددت حبك ليه»، كى تقنعه بالزواج بها، كفرصة أسرع من فرصة ابنتها من الزواج من ثرى. أما صفوت الابن الأكبر، فقد رتب اللعبة الأكبر، فمن خلال تقديم حل مثالى لحل أزمة الإسكان بتقديم مدينة إسكانية بمقابل صغير. صفوت عرف الطريق، الأخلاق كلمة تصلح للقتل، لوأد الأحلام، الأخلاق كلمة تصلح ليستخدمها مرشح رئاسى، لتسويف كل شىء، لتفريغ كل شىء من معناه. اللعبة، تخطت حدود قدراته، حدود تغييره لعالمه القريب لتغيير وطن يغرق فى الفقر، فى الشقاء، فى انتهاز الفرصة. اللعبة نفسها أدركها، مهران صاحب شركة المقاولات، كان أكثرهم مزايدة على أحلام أبوالعلا البشرى، ومجاراة لها، بل هو الوحيد الذى أعلن للجميع أن أبوالعلا استطاع تغييره وتوجيه قلبه إلى مدرسة «الأخلاق الحميدة»، وان تأثير أبوالعلا على حياته صار هو المحرك الأساسى لكل خطواته. «البشرى»، ابتلع الطعم، صدق حقا أن المبشر نجح فى مهمته وأنه غير النفوس، حتى آفاق على صدمة أن مهران، استولى على قرض كبير باسم أرض مشروع الإسكان، ومعها أحلام من وضعوا بين يديه «تحويشة» العمر. صارت اللعبة كابوساً أبعد من سيطرة «مهندس» الرى، ضربت مئات الأسر فى مقتل. لم تنجح رحلة أبوالعلا، لكنها كشفت نفوس الناس، زلزلت يقينهم بما 
يعرفوه عن الصواب والخطأ، لم يتغير أحد. 







الباشا والعمدة..صراع طبقى على «حلبة» الوطن
فى شارع الحلمية، حلبة صراع على المصائر، يأتى الفلاح سليمان غانم، الذى أصبح ثريا، من قرية ميت الغانم، ليبدأ رحلة الثأر من البشوات الذين سرقوا والده، وقتلوه من الحسرة. كان عدوه مجسداً فى سليم البدرى، ابن الباشا الذى لم يرحم أبوه، قديما. الانتقام، الذى سبق ثورة 52، التى حسمت فى بدايتها الصراع الطبقى لصالح الفقراء والفلاحين والعمال، من قلة تتحكم فى مصير الكثرة. تبدأ وجبة الانتقام التى يقدمها سليمان بإرادته، بمحاولته شراء المصنع. سليم كان مشغولاً بزواجه الثانى فى بنت فقيرة فى الحلمية، تعويضا لمشاعره الباردة ناحية طبقته، الممثلة فى: نازك السلحدار. يدبر سليمان لطلاق سليم من نازك، بدعوة والد زوجته الثانية إلى سراى البدرى، فاضحا سره. خطة سليمان بسيطة: سأحصل على كل شىء، السرايا، المصنع، الزوجة، النقود. دولة البشوات كانت فى قمة جبروتها وضعفها، آن الأوان لتسقط الثمرة فى يد زارعها الحقيقى. ينجب سليم ولداً فى الحلمية: على، وولداً من نازك: عادل. بينما يثمر زواج سليمان من نازك الذى وافقت عليه بداعى الانتقام: زهرة. على ابن العمال، زهرة بنت الفلاح، عادل ابن الباشا.. مفاتيح الصراع، التى ستستمر نتيجة شهوة انتقام الآباء، التى فرغت فى الوقت من معناها وأهدافها لتتحول لمجرد لعبة ممتعة بين أطراف نسيت علام كانت تتصارع أصلاً، لا يتبقى سوى الحقد، النظرات الطبقية. بين سليم وسليمان: توفيق البدرى.. ابن الطبقة الوسطى.. الفرع الشعبى لعائلة الأرستقراطيين، يبدو توفيق كسائر أبناء الطبقة الوسطى، متطلعاً بإعجاب نحو تفوق سليم المادى، يسانده ضد الفقراء، رغم أنه يدرك أنه مجرد أداة فى يد سليم، ساعة الجد سيذكرها بأصلها الفقير، يخطط توفيق بمهارة خطوات سليم الذكية، رغم أن توفيق نفسه حمايته الحقيقية وسط الطبقة الفقيرة، عندما تلفظه يد الباشا، يصيبه الشلل ويحتضنه الفقراء. طبيعة الأرستقراطى تنضم لحزب متحالف مع سلطة الإنجليز، كشأن رجال الأعمال فى كل زمان، سلطة تحمى المال، مال يحمى السلطة. بينما ينغمس سليمان أكثر مع أبناء حارة الحلمية، لكن كمجرد سلم لطموحات أخرى فى الترقى، يكشفها محاولة التحاقه بطبقة الأرستقراطيين عندما تزوج نازك، يظل ملفوظاً، مطية لتكبرها. يأخد سليمان مصنع سليم، ويستولى سليم على أرض سليمان، تأتى الثورة، سلطة العسكر الجديدة، لتجعل من صراعاتهم مجرد مزحة ثقيلة ووقتاً ضائعاً، فتحصل على كل شىء الأرض والمصنع، ليبدأ القط والفأر من الصفر مرة أخرى لاستعادة كل شىء من السلطة. يواجهان المصير نفسه، فى مواجهة الخمس ونصة، طفيليات تركب موجة انفتاح السادات وتتاجر فى كل شىء، من السبارس إلى توظيف الأموال باسم الدين. تتحول الحلمية إلى مجرد دائرة أحلام، يحاول كل طرف أكلها من ناحية، ينجح سليمان مرات، ويفوز سليم دائماً.
زينهم السماحى ..الثورجى أخو الشهيد

بقوة ذراعه يحصل زينهم السماحى،على حقه فى الحياة،ومن خلال المقهى يدير الشارع ومصالحه،يدعم مرشح دائرتها سليمان غانم فى معركته ضد سليم البدرى دون أن يفهم الدائرة الأكبر،وطن يحترق بنار الاحتلال.
طه شقيقه،يمشى على الأرض كشهيد،يحمل كفنه لمقاومة نار الدائرة الأكبر،لا يستسلم لمحاولات زينهم السماحى اثناؤه عن طريق "الضلال".
يقع طه فى عشق ابنة جلاده،الذى يعمل فى البوليس السياسى،ومكلف فى الأساس بمطاردته،ويتزوجها وينجب منها فرعا جديدا لعائلة السماحى:وكيل نيابة سيستشهد فيما بعد فى معركته ضد الفساد الذى توغل كسرطان.
زينهم،سيظل فى سكرته،حتى يستشهد أخيه،يفيق،يكتشف فى استشهاد أخيه أن مصر وطن يصلح للقتال من أجله،لا القتال من أجل لقمة عابرة فى هوائه.
لن يكسره شيء، كل الكوارث فى حياته ستتحول إلى طاقة تجعله أكثر قوة، سجنه على يد «سليم البدري»، استغفال العمدة «سليمان غانم» له، استشهاد أخيه، «سماسم العالمة» التى لم تتغير أخلاقها..سيشارك فى مقاومة الاحتلال فى القناة مع رفاق طه السماحى.. لن يكسره شيء، إلا الوطن.. انكسار الوطن وحده هو الشيء الوحيد القادر على أن يزلزل الجبل، القوة، البطش.. انكسار الحلم فى هزيمة يونيو 67، ليتحول من سلطان إلى مجذوب، ينطق بالحكمة ويخلطها مع الهراء والمشاهد القديمة كى لا يدرك قيمة ما يقوله إلا من هو أهل لذلك.. حتى الموت لن يأتيه إلا باختياره، عندما يطيِّب نصر 73 كرامته الجريحة، لحظتها فقط سيموت.
أما الشهيد،طه السماحى،فيظل رغم موته المبكر،اللاعب الأساسى فى أحداث الحلمية،كلما تعقدت الحساب،وطغت المصالح،وصعدت العفونة نحو السطح،تطل سيرة الشهيد،لتضىء الطريق الوحيد الصحيح،طريق بلا مساومات أو مفاوضات أو صفقات.
رفاق الشهيد،مع الزمن يدخلون فى اختبارات الحياة،يسقطون جميعا،لا ينجحون أبدا فى استكمال مسيرة الشهيد،يسقطون جميعا فى اختبارات الحياة،يقبلون الصفقة،ويساومون بتاريخهم فى النضال على مناصب.
ينقذ الموت طه من تشويه الصورة،وتقتل الحياة رفاقه،فاحدهم يستبدل مسيرته فى مقاومة السلطة،ليعمل مع الأمن ويصبح ذراعها القوى ووجها القبيح،يتمسح فى سيرة طه،بزواجه من أرملته،لكن عيون ابن الشهيد،تفضح دائما عورته،لن يمكنك أن تحل محله،بعد سقوطك فى اختبار الحياة،بينما يسقط آخر ليصبح لعبة فى يد تجار الزيت،ويتزوج ثالث من رقاصة،طمعا فى اموالها .
عندما يحصل صبى القهوة على مقهى زينهم بعد وفاته،ومع صعود مسخرة الانفتاح العشوائى إلى ذروتها،يتجلى الرمز فى ازالة اسم طه السماحى من الشارع،لطمس ذكرى الدم،التى تفضح اللعبة وتفسد الصفقة.

 نشرت فى المصرى اليوم
رسوم:مخلوف