Tuesday, June 14, 2016

7 دروس مستقاة من أحمد ناجي


سجن أحمد ناجي، هو حكم محكمة بإدانة الذكاء والموهبة لا خدش الحياء. سيكره ناجي –قطعا- كل محاولات تحويله إلى "فلكلور شعبي". تعيش كتاباته في الأساس كمنجل قاس لحشائش الماضي والأيقونات التي تتحول إلى سم زعاف، أو معرفة تحجب المعرفة. لكن لاطالما كان أحمد ناجي، مثيرا للأسئلة، قاتل محترف لخرافات، محطما لأساطير الوعي الجمعي. الوعي الجمعي قد يصيب إجمالا، لكنه يخطيء تفصيلا. الوعي الجمعي ابن غريزة البقاء، حتى أنه لا يعي إنه في سعيه لطرد شبح الموت لا يحمي إلا الموت ذاته، وعي ناجي الفردي، هو ابن ذكاء تقصي الموت لاكتشاف المعنى المحجوب للحياة.
سجن ناجي في الأساس هو إدانة للمحكمة التي أخرجت أرنب الحقيقة "الداعشية" من قبعة الدستور المسحورة. حرب ناجي/حربنا، لم تكن ضد القاضي الذي أخبرنا في حيثيات حكمه أن دستورنا هو دستور للقرون الوسطى، يمكن استعماله كمحكمة تفتيش تطارد السحرة والمهرطقين وخادشي الحياء والخيال ومحاولة استشراف ما بعد "جحيم القاهرة"، لحماية "العائلة" وأخلاقها. جحيم في الأساس صنعته نفس الأفكار التي أدانت ناجي وروايته "استخدام الحياة".
المسارات فشلت، يخبرنا ناجي، والعدم وحده، هو الحقيقة الناصعة. العدم هنا ليس اختيارا مجانيا، بل هو الأكثر تفاؤلا وصدقا من الأمل ذاته. حيث يتحول "الأمل" من قبل حراس المعرفة والخيال من "معسكرنا" نفسه إلى "حقن" بوتكس" تأمل في أن يكون المسار الذي أنتج النظام أقل توحشا وأكثر لطفا.
الأمل في المسارات القديمة، في إصلاح الجذور، تجديد الخطاب، محض كذبة، ابنة سموم التنمية البشرية والأثر الباقي لانتظار المعجزة. هذا الأثر القابض ليس فقط في "المعسكر الآخر" بل أثر قابض على نفوس معسكر المثقفين والأدباء أنفسهم.
المثقفون –بلا تعميم- لم يتخلصوا من تلك الفكرة بعد: "بابا كان محقا في إدانتي، لكن علي أن أتمسك بفكرة ماما أنه لم يكن على بابا أن يكون قاسيا في حكم الإدانة، العتاب أفضل من الضرب". آراء بعض المثقفين لم تخرج عن تلك الفكرة، أنهم من داخلهم يصدقون فكرة أن النص مدان، لكنه يتجادلون في أنه " مش لدرجة تحبسه".
حرب ناجي كانت ضد مثقفين، ومارة وعابري سبيل، قراء صدفة، صحافة تقتات على النوستالجيا وتتعمد تثبيت الصورة، وكلاء نيابة حصلوا على مجموع متدن في نظام تعليمي فاشل.
وكيل النيابة، لم يكن خاليا من "ثقافة" أو "معرفة"، على العكس قام باستدعاء" ثقافته" و"معرفته" في مواجهة" ثقافة" و"معرفة" ناجي. ثقافة وكيل النيابة البالية ولكن "المكرسة والمجازة" انتصرت في النهاية.
في حكم الدرجة الأولى حيث حصل ناجي على البراءة، لم تكن هناك وسيلة لإدانة الاتهام إلا عبر كتب التراث "المكرسة والمجازة التي استخدمت "ألفاظ ناجي". الاستخدام نفسه الذي يدرك "ناصر أمين" محام ناجي تناقضه، ولكنها كانت حيلته/حيلتنا الأخيرة القادرة على النجاة.
هنا تحديدا يكمن الفخ الذي يعيشه مثقفونا يوميا، كل ما تُنصح بقراءته، كل ما هو مكرس، كل ما هو مجاز، كل الكتب الشهيرة التي قد تستفيض وتتعب لتحصيلها، قد تفضي بك إلى محض حارس لمعرفة ميتة، قد تَقتل وتُقتل دفاعا عن تكريسها. معرفة تمنع معرفة، تعيق الرؤية. قد تحيلك -وأنت تظن العكس- إلى محض رجعي "تنويري"، أو محض مثرثر، بالون منفوخ بكلمات لا تفسر الزمن وترسخ الموت.
لازلت أذكر بأسى. شاعر يخطو نحو الأربعين، لم يحقق أي شيء في حياته، ولا حتى قصيدة بها بيت يمكن تذكره. كان يدير قسم الثقافة بجريدة خاصة كبرى" –ابنة صحافة تثبيت الصورة والكيتش- يعامله الجميع بمهابة العارف، ويعامل الجميع بغطرسة" الموهوب الحكيم". أخبرني "الحكيم" ذات مرة عن تصوره لمستقبل مصر" يمكن لو تكاتفنا أن نعود بمصر إلى الأربعينات"، يقصد حركة التنوير المصرية وقتها. لكن ما تخفيه تلك الجملة البراقة، هي محاولات حراس" المعرفة" لتثبيت الزمن في الماضي وإيقافه عن التقدم إلى المستقبل. الماضي هو العزاء الوحيد هذا لهذا الشاعر عن فشل معرفته وفشل تحققه، فالماضي هو زمن لا يمكن إمساكه. عندما لا يتقدم الزمن لن يهزمه أحد، فكلنا نتساوى في الماضي. تصبح الحجة هي أن لا جديد صالح، كلكم فشلة لأنكم لم تعثروا على الماضي، ولم يظهر في أجسادكم الانبعاث الثاني للأسلاف المكرسين. صارت واحدة من علامات حراس "الماضي" بالنسبة لي هو أنهم لا يقرأون إلا ما يقرأه هذا الشاعر، "بروتوكولات حكماء ريش" و"هكذا تكلم زرادشت". فهم لا يقرأون إلا الكتب" المكرسة" و"المجازة". ثم يملكون "الصفاقة" ليخبرونا أن كل كتب" المستقبل" فاشلة، فهي لم تكتب في الماضي، ولم تعتمدها "الوزارة".





[i] العنوان مستوحى من نص لناجي بعنوان 7 دروس مستقاة من أحمد مكي

Saturday, June 11, 2016

العربي فرحان البلبيسي..الإنشاد ليتامي الله


٣٠  يوماً في زنزانة بمستشفى عسكريّ أثناء فترة التجنيدهكذا عرفت أغاني العربي فرحان البلبيسي من خلال صوت مصطفى“: شاب من الأرياف ينتمي إلى عائلة تعرف السترمتزوّج وأب لولدين، وكان قد قارب على إنهاء 3سنوات التجنيد قبل أن يبدأ سوء الحظ.
كان مصطفى يعمل كسائق لعربة متهالكة مخصّصة للمرضى من مستشفى إلى مستشفىوفي يوم فقد السيطرة على العربة ليصاب هو والمريض وتتحطّم العربة الخردةورغم أنّه لم يخل باتفاقه وأصلح العربة، بل أعادها كما السحر إلى عربة بحق وحقيق” بالسلف والدين، إلّا أنّه حكم عليه بالسجن الذي قضى أغلبه في السجن الحربي، وجاء إلينا ليكمل آخر 50 يوما في حبسهكان لمصطفى أن يمر على أيّام الحبس سالماً لولا أن الحكم يعني أنّه بعد سنوات ستفوته دفعة تخرّجه، وسيستمر فى الجيش لمدّة أطول.
كنّا كلنا نشعر بالظلم، مذنبون وأبرياء، بسبب تحكّم قوى خفيّة، لكن مصائبنا جميعاً هانت بعد معرفة مأساة مصطفى وأغاني العربي فرحان البليسي” التي خفّفت من وقع السجن وهو يذكر: “قصدت بابك ولا قصدت باب غيرك، أبات وأصحى وأنا دايماً على خيرك



مصطفى لا يصلّييتحدّث طيلة الوقت عن مغامرات نسائيّة خارج الزواج، ويسب الدين، ويفتقد البانجو، لكنه يحب الله ويتكئ عليه في مأساته، أو هكذا أدركنا عبر غنائه المرعب الواعي للبلبيسيلمناطق الأمان في إنشاده.
ينشد العربي فرحان البلبيسي عن الله، لكنّه لا ينشد له، بل ليتامى الله الشاردين في الطرقات، ومحبيه بلا مدد أو تقوى حقيقيّة، الحمقى والخطاة، مطاريد الحياة، الضالين عن الطريق لا أولياء الله.
هذا هو الفارق الجوهريّ بينه وبين ياسين التهامي مثلاًحيث الله في مديح التهامي مطلق لا يمكن التعرّف عليه، ولا يمكنه المساعدة في الحياة كفجيعة إلا بالتخلص من الحياة كقيدرب التهامي سامق لا يتم الوصول إليه إلا عبر طرق وعرة على سالكيها التمتّع بتقوى كاملة وعبور حجبوحتّى التقاط ما يغنّيه يتم بما لا يقاسبنشوة التوحّد مع المطلق عبر التوحّد.
رب التهامي لا يسير معك فى الطرقات الوعرة للحياة لعبورها، بل عليك أن تعبر في مسالك وعرة لا تعدك بشيء مضمون، حيث الله عزيز، وحيث المعرفة حجاب فوق حجاب، ولا أحد يضمن النتائج.
لكن البلبيسي يعرف الله بشكل أبسط، فهو سابل الستر” الذي يمكن إمساك إحساسك بوجوده عبر حسيّة دنيويّة، لا وجد يحدّث ربٌّ مشغول بصفاته، بل ربٌّ مشغول بصفاتك كضعيف فى مواجهة إيقاع الظلم للثابتالدنيا التي لا يدين البلبيسي شهوتها بغناء يجعل الله معنا على المقهى لا فى السماء.
وحيث لا أحد يطلب منك سوى ترطيب لسانك بذكر نبيه أول ما كتب القلم، كتب الله، وكمّل السطر بمحمد رسول الله“. وحيث سيدنا الحسين بابا الطبيب، والسيّدة زينب ماما الكريمة أم هاشم، وهم أصدقاء لا سادة ينادون فيلبّون“:

"أنا ليا أربعة ساعة الضيق بناديهم،
سيّدنا الحسن والحسين والسيّدة والإمام على أبيهم“.
يمزج البلبيسي بين الذّكر والوعظ الذي لا يشبه وعظ المشايخ، لكنّه يشبه خلاصة الحكمة العابرة للأزمان، ونصائح للطريق ورايات حتى لا يضل الحمقى، وعلامات لحفظ الإنسانيّة من أن تحيد أو تنسى، وذاكرة التجارب المتراكمة لمجابهة الحياة: “وعاشر الناس بالأدب تلقى الرضا على طول“.
ياما كان على الدنيا فتوّات يقولوا إحنا أحسن ناس
صبحم رمايم يا خويا ودهوسوا عليهم الناس“.
عبر عقود من احتكار الله على الكهنة، ومن تقديمه كرب يغضب لأقل الأسباب، معقّد في طلباته، ويتحكم فى التفاصيل الصغيرة للإنسان، ومقدمّاً خريطة عمل بالغة التعقيد للحياة اليوميّة، وحصول هذا المفهوم على تمكين اجتماعي هائل، يبدو مفهوم البلبيسي ومحبي غناؤه حجر مقاومة لطيف الأثركأنّه يذكّر بالسيرة الأولى لله كشريك لا كمراقب فى الملهاة، كراحم لا متوعّد شرس، يحفظه من الهجوم وينفخ فيه من صوته الجمال والرحمةفأصل وجوده الحماية لا العقاب، والمحبة لا الترصّد.
ينشد البلبيسي ضد التفتيش في الضمائر والمحتسبين على علاقة الرب بعبده، ويشترط الإنسانية قبل الحب كطريق إلى الله:
إذا كنت بتحب حب بس لازم تكون حساس
وفتّش على روحك قبل ما تفتش يا خوي على الناس
وانظر لبيتك قبل ما تفتش فى بيوت الناس
مصطفى القادم من الأرياف، والمتوكّئ على الله والحافظ لإنشاد البلبيسي ألهم الحل بعد خروجه من السجنفعند أول أجازة لم يعد مرّة أخرى إلى الجيش، بل واصل حياته ومغامراته ضد الإيقاع الثّابت للحياة والظلم، عافياً عن الحياة، وآملا فى العفو، عالماً بأن الدنيا شهوة لا يمكن إدانتها، وأن الله يعرف ذلك.

نشرت للمرة الأولى في موقع معازف

Friday, June 10, 2016

عرج

Emanuele Toscanتصوير




- متى أصيبت بالعرج؟
- لا أعتقد أنها تعرج.
- أنت أحمق..انظر جيدا..لا..لا..لعلك محق ربما تكون مجرد كدمة خفيفة في الساق أو بطن القدم.
- سيرها ليس طبيعيا..لكنه ليس عرجا ولا كدمة.
-  أنت تكذب..لم تر ساقيها من قبل.
- تخيلتهما..جميلتان..لديها أيضا بطن قدم لو بدأت في تقبيلها لن تكف عن الأمر طيلة حياتك.
- سأغمض عيني قليلا وأتخيل..أووه..وجسد يزداد تألقا أيضا..لكن هذا العرج يؤرقني.
- قلت لك ليس عرجا..هو مرض نادر أصيب به ابن أخ لي من قبل..يسمى مرض القدم التائهة، يصاب به من يفلت من العرج.
- أنت لست طبيبا حتى..كف عن الهذيان.
- لا لكن الطبيب شخص مرض ابن أخي هكذا..قال إنه مرض شديد الندرة.
- كنت أظن أنه مرض شائع.
-  شائع لكن كي تلحظه عليك أن تكون مجنونا بعض الشيء. لذا فهو شديد الندرة. كنت أعلم أنه مجنون.
- من؟ ابن أخيك؟
- لا..الطبيب.
- لذا لا أثق باثنين..النساء والأطباء.
- ماذا نفعل الآن؟
- فلندخن قليلا..وننتظر عبور أول عرجاء حقيقية..الأقدام التائهة تفزعني.
- أتمنى أن لا تمر قدم تائهة من هنا.


Thursday, June 9, 2016

كهدايا الآباء ..محبتها ملغمة بالخسارة


لو كنت حريصا على منح مازن أي شيء، لكان إدارك النكتة. السخرية من كل شيء، وأي شيء. من نفسه ومن الآخرين وسخرية الآخرين منه. ربما ظننت أن ذلك سيجعله أكثر قوة وصلابة، النكتة وحدها ستخفف من أثر العالم كمآساة. وأنا كأي أب أتمنى له حياة سعيدة، لاهية تتمتع بالكثير من اللطف. ربما  أفعل ذلك كاعتذار لكوني سببا في ورطة الحياة  - الأقل بؤسا  إن أدرك النكتة-  أو ربما لازلت أخفي رغبتي الطفولية، في أن أكون محض مهرج، قادر على إضحاك الآخرين، فشلت في أن أصبح خفيف الدم أو فقدت ذلك في الطريق، أن أكون محبوب الجميع..أخسر الصداقات وأكون الأعداء ببساطة شرب الماء والتدخين.. لا شيء يضحكني الآن إلاه، ولا استطيع ومن ثم لم أعد أرغب في أن أضحك أي شخص إلاه، هو جمهور رغبتي السرية الوحيدة الآن. جمهور قوامه طفل يملك أربعة سنوات ونصف. ذلك بائس لأب ظللته الكآبة، وخبر سعيد لطفل.
ابتسامته، ضحكته المجلجلة على أفعالي السخيفة، الأغنيات البلهاء التي نرتجلها سويا، تصنع بيننا الرابطة، فأنا على عكس أمه، لم أنجح في تعليمه كتابة حرف واحد، أو رقم. رغم أني حاولت. ورغم أني-على عكس أمه- أشجعه على الاستهتار بهذا الانضباط المفروض، نضحك خلسة على كل شيء يجعل الأمور جادة أكثر من اللازم. ربما لأن حياتي صارت جادة أكثر من اللازم. فجأة. الآباء طفيليات أبناؤهم.  أتمنى أن تكون هديتي مقبولة ودائمة ومفيدة على أي حال، وأن تتفهم ما يميزها وأن تعرف أنها أيضا أنها كأغلب هدايا الآباء، ملغمة بالمحبة والخسارة.

Wednesday, June 8, 2016

"المنظومة" ..من قصائد الجنرال عبد الفتاح السيسي


من غير ما أقصد
عشان بس نبقى واضحين
مش عايز أقول تشرذم..فكري
لكن الحالة إفرازها
إن مافيش
ماأفرزتش انسجام
وما أفرزتش حالة فكرية لدى الإنسان
وإوعى نتصور إننا ممكن نحل المسألة بالكلام
لا طبعا ماينفعش كده
الإنسان..إمم..يعني
وإلا ماكنتش اتعملت البرامج اللي بتبدأ من سن صغير
يعني..
عشان يعلموهم يحترموا المرور..مابيقولوش احترم المرور
بياخده..وينزله..الشارع
ويوريه إن هو يقف ويستنى العربية لما تعدي
وكده
فالمنظومة ابتدت بعد كده تتوالد جوه نفسها
ومازالوا بيعملوا كده
يعني هو بيضخ كل دم جديد بييجي عنده ويعلمه قيم كتير أوي
آآآه..يعني..
داخل مول كبير ولا حاجة
فالباب مثلا.. ممكن تخش وتزق الباب
فتبص وراك
تشوف حد داخل
تستنى يمسك هو الباب..عشان مايتخبطش منه
وعشان مش من اللياقة..إنك إنت
إوعى..
حتى مادام عندك فرصة إنك تساعده..
ساعده..
الكلام ده معاني بتتشكل في وجدان الناس
معاني بتتشكل في وجدان الناس
اللي هو مايبقاش لوحده
دايما بيخلي باله
بيبص بيعمل إيه
وبعدين لا يمكن
لايمكن مايقولكش إيه؟ اتفضل
لايمكن..مافيش حاجة من غير من فضلك؟..مش هما بيعملوا كده
فاااا...ساعات كنت ألاقي..وأنا داخل
فأقف ألاقي طفل صغير..خمس سنين..ست سنين..مايزيدش
 فأقفله عشان..
زي العادة يعني زي ما بيتعمل مع الكبير يعني..فيقول شكرا..
لو مرة صادفت إنه ماقالش شكرا.. وصادفت
ألاقي والدته وبمنتهى الحسم..تقوله إيه؟..قول شكرا
يعني عايز أقول..مش الكلمة بس
من غير برنامج متكامل يعمل ده..هتقدر تأدي اللي إحنا عايزين نعمله
لكن على الأقل دلوقتي خلوني أقول إيه
ماإنتوا موجودين أهوه..وتقدروا تعملوا ده

يمكن حد يقول إنت بتعمل.. يعني..إنت عايز مننا إيه,
* ألقيت للمرة الأولى في التليفزيون المصري..معا لفهم أفضل لوصايا الحكيم في الخلوة

Saturday, May 30, 2015

حسن أرابيسك "الأصلي"..أو كيف تكره خالقك



أعبر نفق بشارع الأزهر إلى الحسين، ومنه إلى خان الخليلى حيث وجوه البائعين متشابهة ، لكن عبر شارع ضيق يصل بك إلى وكالة القطن بتصميمها العثماني يقع محل "علي حمامة " للأرابيسك وشهرته" حسن أرابيسك"، وهو الرجل الذى استلهم منه أسامة أنور عكاشة قصة المسلسل الشهير في التسعينات.
يقف عكاشة عند لحظة فريدة في التاريخ المصري، عندما قرر السلطان العثماني أن ينقل الموهبة المصرية، ممثلة فى الحرفيين المصريين إلى اسطنبول، و منهم حرفيو الأرابيسك، لكن عائلة حسن النعماني حفظت تلك المهنة عبر العصور، ليطرح سؤال الهوية فيما بعد عبر الفن الذى مارسه الفراعنة والأقباط وتميز فيه المسلمون ..من هم المصريون؟
على حمامة، ضمن عائلات قليلة حافظت على المهنة، تعود جذور عائلة علي حمامة التى توراثت المهنة عبر 18 جدا، إلى 950 عاما مضت، أحد أجداداه هو من صمم أحد كراسي السلطان سليم الأول، المشغول من الأرابيسك
المميز في حمامة أنه أشعل الموهبة من جديد، بعد توقفها لجيل أو اثنين، كانوا صنايعية مهرة أكثر منهم فنانين و أضاف بصمته على فن الأرابيسك، بدمجه لعدد من ثقافات الحضارات الأخرى في أعمالهم.
لكن أين المآساة؟
يعيش حمامة حياة أخرى، الشخصية الافتراضية المرسومة في سكريبت، صارت هى حياته الآن، يكره أسامة أنور عكاشة "الميت" حسبما وصفه، يعتقد أن ثأرا ما لم يتم بينه وبين صانعه، وأنهاه موت عكاشة، شيئا ما لم يجر لصالحه، رغم استفادته القصوى مما حدث لصالح تجارته التى ازدهرت، وأن استفاد عكاشة أكثر من تحويله إلى عمل فنى
يقول :"إنه تعرف عليه في قعدة مزاج، لأن أسامة كان صاحب مزاج، مش لوحدى يعنى"، مشيرا إلى حب حسن فى المسلسل للمخدرات.
اختلف "أرابيسك الأصلي" مع "أرابيسك الافتراضي" في نهاية المسلسل التى قام فيها بتفجير الفيلا بحثا عن الهوية المصرية، فلا يصدق أنه يستطيع أن يفجرعمله بيديه، لصالح أي فكرة مهما كانت، ربما كان يرغب أيضا في أسطورة نقية كالماس، أو على العكس تماما أن يحكي واقعه الحقيقى، لا ما أراد أسامة أن يستوحيه لصالح انتصار أفكاره، ويرغب الرجل في محو خالقه، وأن يكف المتطفلون أمثالي في الحديث عن عكاشة، والبدء في الحديث عن أرابيسك الحقيقي
كرسي السلطان
كرسى السلطان في المسلسل، الذى من المفترض أن جد حسن أرابيسك قد صنعه خصيصا للسلطان سليم الأول، ثم وجده بالصدفة في المسلسل وأضاعه، لا يحب هذا أيضا من عكاشة، لم يضيع شيئا : الكرسى مجرد ورقة في رسمة في كتاب قديم، لا تثبت أن جده هو الصانع ولا تنفى الأمر.
كان جده الأكبر حسن خليل، مدرس فى مدرسة الإلهامية، أحد حضانات الأرابيسك أثناء احتلال الأتراك لمصر و التابعة للباب العالى في الأستانة، مدرسة من عدة مدارس هدفها تعليم حرفة الأرابيسك، و كانت إدارتها بإشراف من الوالى المصري محمد على باشا مباشرة.
الجد حسن خليل اشتهر بالعمل فى القصور و شواهد قبور الأمراء، بينما عمه هو من شغل باب قصر العروبة و باب قصر الدوبارة، و تميز والد و جد على حمامة المباشر بالتمكن من العمل بالخط العريض.
قبل العصر العثمانى الذى نقل فيه موهوبى الشام و مصر من صناع الحرف كأسرى إلى اسطنبول، ظهر ما يسمى بالفنون"السلجوقية" في المنطقة العربية و التى شهدت ازدهارا كبيرا، حيث زينت أعمال"الأرابيسك" في القصور والبيوت و المساجد، و امتازت أشغالها بدقة الصنعة و براعة التنفيذ و جماليات تتواءم مع واقع المعمار فى تلك الأزمنة إلا أنها لازالت مستلهمة إلى الآن" حافظت عائلتنا على الخط الأساسى للمهنة، وإضافاتها تتميز بالحفاظ على الروح الأساسية للمهنة" بحسب حمامة.
حمامة نفذ شغل أرابيسك فى مدخل برج إيفل كما اشتهر بتنفيذه لفنه فى عدد من لوبيهات الفنادق و المطاعم فى أوروبا.

لكن عمله الأهم الذى يفتخر به، هو جامع الشهداء بغزة، يقول حمامة: نتيجة قصف الاحتلال الإسرائيلى، محيت كثير من المساجد الأثرية، جاءت لجنة من اليونسكو لحصر ما تبقى منها، وعندما وجدوا عمله مستخدما الرخام فى تطعيم الأعمال الخشبية فى جامع الشهداء اكتشفوا اختلافا عن العصور التى عرفوها عن الجوامع، فسألوا عن الصانع، و سجلوا عمله في موسوعة اليونسكو.