Monday, January 23, 2017

هكذا خسرت العالم (1): في محبة الفيل ونسيانه


أعتقد أن الطبيعة أخطأت عندما منحتني دور الأخ الأكبر، تماما كما تخطيء عندما تُلبس رجلا روح امرأة والعكس. أخطاء كتلك تضمن لأصحابها شعورين متناقضين: القداسة، لأنهم يدينون الطبيعة بشيء، والإحساس الهائل بكونهم محض متطفلين على النظام الصارم للطبيعة. 
لم يكن بداخلي روح أخ أكبر. لم أقد إخواتي إلى شيء، ربما جربنا معا بعض الأفكار الفاشلة، وابتكرت لهم بعض الألعاب الجيدة، التي لا تفتقر للخيال ولكنها كعادتي تفتقر إلى الدقة، لكني أبدا لم أستطع أن أمنحهم النصح دون إفساد. أفكر أني لم أنجح طيلة حياتي في اسداء نصيحة جيدة لأحد، دائما ما تقودهم أفكاري الصحيحة في خيالي إلى أماكن وعرة. لا يمكنني التذمر، فالنصيحة  هي الوسيلة الأكثر نقاقا للاستيلاء على الأرواح.
لذا بنيت تصوري عن الأخ الأكبر، الذي احتجته كأب بلا مخالب، هو شخص يتركك تفسد للنهاية، ثم يطل بالحل في اللحظة الأخيرة. أن تعرف أن من حقك أن تغمس نفسك في التجربة الخطأ، فثمة من سينقذ روحك في النهاية، دون أن يطالبك بها.
لهذا تعلقت بالفيل، وأحببته بشدة
الفيل علامته وليس اسمه. لكنه يحب تلك العلامة، لذا سأذكره بما يحبه.
الفيل كاتب تمنيت صغيرا أن أكونه، وعندما قابلته فشلت في النهاية باقناعه بالمحبة التي أكنها له، حتى أنه رآها كعبء لا يطيقه.
لكن المحبة ليست التعريف الدقيق لوصف ما أشعر به نحو الفيل. تلك محبة عالقة، عند لحظة في الزمن، احتشدت وراءها كسور يعيق تلك المحبة عن التقدم والفيض، لألقمها للنسيان، أو  أحتجزها للتلذذ بذكراها، محاولة يائسة لمنع المحبة والكراهية. فمن الفيل تلقيت عبارة شديدة القسوة توجت ذروة انكاري للصداقة، لازالت ذكراها تعيق تنفسي للثقة في نفسي، بل ردتني إلى وضعي الأول خائفا من العالم، أو ربما عرت حقيقتي كمتطفل لا كغريب . ماذا لو أخبرت شخصا أنك تحبه، أنك تفتعل الصدف كي تتعامل معه وكي تثبت المحبة. فأخبرك: نعم.. أعلم.. هذا يخجلني. لم يكن لسياق الرد معنى: أكثر  من أنه لم يعد قادرا على استقبال محبتك ونفوره منها يربكه. ليست إلا عبئا ثقيلا على بدن فيل يمكنه احتضان العالم وأن يرى في نفسه القدرة على الطيران والخفة، لكنه غير قادر على استيعاب محبتك.
في مراهقتي كانت صور الكتاب تحت زجاج مكتبي لا نجوم السينما. هؤلاء كان نجومي. كان الفيل من بينهم حتى لو لم أضع صورته تحت زجاج المكتب. كنت أقرأ كل ما يكتبه بشغف، حتى أني راسلته دون أن يرد قبل أن أقابله بعدة أعوام، طلبا لرأيه في قرار مصيري بتحويل دراستي من الصيدلة إلى الإعلام. لم يرد واستكملت دراستي البائسة، لم يتذكر الرسالة أصلا عندما قابلته. كنت محض معجب، ولم أغادر تلك الخانة أبدا، حتى عندما صرت صديقا، وعندما تطور الأمر إلى بوادر  بنوة خفية بيني وبين أب بلا مخالب الأبوة، وعندما ذوت تدريجيا، ظل جوهرها دائما على الحواف، متطفل يضاحك حشد، ولا يصبح أبدا منتميا إلى أحد.
أنا أتفهم علامة الفيل. يطير  داخل بدانته، يرتشف العالم ببطء، بكسل لا يغوى بإيقاع الحياة. ضخامته هيبة على عكس هيبة الأسود. لادم يسيل من شفتيه، بل خضرة الأرض. لذته المياه، وجبته التأمل. بدانة تحتضن العالم، أو توحي بذلك. لكن الفيل لا يحب إلا شبيهه وينفر من عصفور يطل عليه منبهرا ومحب؟ كنت عصفورا  في طير التكوين، حتى لو لم أصبح فيلا في نهاية المطاف. العصافير  قد تكون ثقيلة الظل إذا ما احتمت بالصمت والانبهار.
كانت هزيمتي الأولى معه. عندما توقفت عن الكلام في حضرته. أحضر جلساته دون أن أتفوه بحرف، لا يعرف أن المحبة قد بلغت حد أن رؤيته تكفيني. هذا جسد قادر على احتضاني من المدينة الغادرة. لا سند لي فيها. أبي ينكر  عصياني ويراهن على عودتي مهزوما وعمي الصحفي الكبير ينكر وجودي في القاهرة، "لعب العيال" الذي استمر  أكثر من عشرة سنوات.
أتذكر أن أول ما نشر لي كانت بورتريهات تتقصى القادمين إلى القاهرة بأحلام كبيرة، ثم تخطاهم العمر دون أن يحققوها، دون قدرة على التقدم أو العودة، بلا أمل أو يأس. كنت أتقصى عن هاجسي، وأتونس بحكايات الحالمين الفشلة، لا أعلم إن كنت أبحث عن عزاء لو فشلت، أو عظة كي لا أفعل. كل ما أعرفه أني قدمت كتابة شديدة التعاطف، مع الحالمين بلا مدد. أرى جوهرها الآن، معكوسا. كتابة فاسدة، تتجاهل أثر القبح، وتنكره لتكريس صورة مزيفة عن الحالمين  لا يدرك الفيل، أني أدركت فسادي منذ زمن، رغم امتثالي لنصيحته" لا تكن كمقريء القرآن، تضغط على المقاطع التي تعلم أن الناس تحبها، وتظن أن الآهات لك، رغم أنها في الأساس لنص لم تكتبه"، ربما لا يؤمن باصلاح ما فسد.
والفيل أيضا ابن مدينة بائسة متلحفة بالريف، لكنه فلح في أن يصير مدينيا تماما. لم أقابله وهو يحارب علل المدن البائسة، بل وهو منتصرا عليها، بينما لم أكن أدرك عورات الطبقة الوسطى بعد. لم تنكشف له عوراتي مرة واحدة. لكن كلما انكشفت له، شعرت بلطمة أب كنت أحتاجه. أب يفهم الأخلاق بمنطق آخر، غير ماتربيت عليه.
والأهم: ادراك عورات الريفي وهو ينتقل للمدينة، تناقضاته. كان يتمشى حولي في الجريدة التي أعمل بها، جاء كرئيس تحرير لم يصمد طويلا. كنت أتنفس أخباره بانبهار، آراه من بعيد ولا أكلمه. انتظرت عندما جاءني للمرة الأولى، بجملة محفورة في ذاكرتي: إحنا سايبينك تلعب في الجرنان براحتك.. بس ماتفتكرش إني مش واخد بالي. ثم تركني مبهورا ورحل. هذا ما كنت أحتاجه: فلأعبث بأعواد الثقاب ما شئت، ففي النهاية ثمة من متى سيمنعني عن إحراق نفسي، وحماية المدينة من لهو الطفل.
تمددت العلاقة نحو المحبة من جانبه، والتعلق بذيله وظله كطفل، وهو ما لم أمنحه لأحد طيلة حياتي التي سبقت حضوره والتي تلتها. كنت في عينيه موهوبا، مجدا، مضحكا. هذا نفخ في عروقي ثقة لم أعرفها من قبل. ثقة أن أخطيء، حتى أني كنت أمرح بدلال طفل، ولم أكن طفلا، لكني استعدت طفولتي كما أردتها. خطاءة بلا عقاب. أتذكر فرحته بأول عدد أحصل فيه على صفحة كاملة، عدد العيد، كان عن البهجة، وكانت المرة الأولى التي أحرر فيها صفحة بلا رقيب، ذكرني بأن أغير شيئا في الصفحة، تعليقا كنت أظنه ظريفا وكان يراه ثقيل الدم. لم أغيره، وتجاهل رغم صلاحياته أن يعدل التعليق. عقب أجازة العيد أخبرني: كل من قرأ ما كتبته أخبرني أنك موهوب،. مع ابتسامة شديدة اللطف والدفء.
ترك الجريدة، ولم أتركه. حتى أنني أبلغت رئيس التحرير الجديد ببراءة بلهاء: سأحاول العمل في جريدة أخرى. لم أفعل. لكني واظبت على مقابلته، ليحل الصمت والانبهار، مكان أشياء يمكن التحدث فيها. لأبدأ في إدراك أن عالمي من المعرفة، لم يجد شيئا ليقوله في حضرته إلا خارج الكوب. وفق تعرف إمبرتوإيكو في بندول فوكو: الحمقى وحدهم يتحدثون خارج الكوب.
ربما كل ماكان يجمع بيني وبينه، هو الجريدة، كنت صالحا حينها لما تؤمن به الصحافة: طفولة تكريس الصورة. بدأ كل شيء في الانهيار تدريجيا، لازالت حياتي سباقا لارضائه ونسيانه. أن أتخلص من معارفي القديمة، أحرقها كي أفهم، عندما قرر ببساطة أن محبتي عبء عليه.

هذا لازال محفورا في ذاكراتي كخنجر. لكني لا أشعر بالألم، وانكر على نفسي اشتهائها لرضاه. المرة الأخيرة التي رأيته فيها، كل ما استطعت فعله، أن أتجاهل وجوده وأن لا ارد الابتسام، آخر خيط في مملكة الصمت المتبادل، لأخبره فليرفع ثقل تلك المحبة عن كتفيه. هو الآن حر، خفيف كفيل يطير. 

Sunday, November 13, 2016

الكتبة الحقيقيون



الكتبة الحقيقيون يحملون خرافات كثيرة عن ما يجب أن يكون عليه "الكتبة الحقيقيون".

أفكر في كاتب، أشعث مترب، مجذوب خرافي في شوارع المدينة، يفر عاريا من نصوصه القديمة، تلحق به في النهاية وتبدأ في أكله حيا، ثم تمحى كلماته، كلمة وراء كلمة، ونصا وراء نص. كان يفكر أثناء سلخ فروته، ممتثلا للنشوة، أن ما يحدث في تلك اللحظة هو أفضل نصوصه.

الصمت، تمرين الكتابة الوحيد الذي لم يخبرنا أحدا بشأنه. وجائزة الخلود لا تعترف أبدا بالجمال الخفي "للنسيان.

"الكتبة الحقيقيون" يؤمنون بنصهم، نص واحد طويل ككتاب مقدس لا تنتهي صفحاته أبدا، يمتد في نصوص الآخرين. لن ينقصهم العنف، لو امتلكوا السلاح لفعلوها.


Friday, August 19, 2016

كمتورط في مسيرة ثورية على الشجرة




لم أعرف يوما من هو الثوري. لذا ظننت في بدايات القيامة الأولى لما نعرفه أنني هو. ثورة في القلب خير من 
عشرة على الشجرة. إيماني يميل دائما نحو قيم كتلك: عدل، حرية، حق، مساواة. قبل أن يميل شكي إلى كونها محض خرافات وأوثان جديدة. وأن بنفس الأسماء نُنهب، وإلى السراب نسير.
لم أعرف يوما من هو الثوري. لذا عرفت في بدايات القيامة الثانية لما تمنيناه أنني لست هو. لم أقبض يوما على الجمر، أنا أكره الألم الخفيف وأفضل ألا تستبدل سيئاتي بشوكة في قدمي المؤمنة. تبدو الثورة في أوقات كثيرة ورطة كبرى لشخص مثلي، برجوازي النزعة ولو أنكر، مثقف مجده الخاص ولو اختبيء في محبته للفيديوجيمز وألعاب الأون لاين والصراخ الزائف للكرة، يخاف الفقراء  ويقطع معهم دابر الكلام ثم يدفن نفسه في أحاديث دائمة عن حقوقهم، فخرافات كتلك جيدة في الكتابة وحلوة في الصور. موهوب تخونه المعرفة، عارف تخونه الموهبة، يقضي حياته مؤرجحا على حبل كهذا كلاعب سيرك، سينتهي مشنوقا بحبله، هذا تعريف مبالغ كعادة من ربتهم دراما أسامة أنور عكاشة ، التعريف الأدق والأبسط: شخص سينتهي عمره قبل أن يعرف كيف يضبط مذاق قهوته.
أكتب طيلة اليوم متحررا من الله بينما أستغفره في فراشي وأخبره إن كان الغفران مستحيلا، فسيكفيني أن يتفهم، والله وفقا للكهان وللثوار ليس ثوريا. لكنه يعد بشيء أكثر راديكالية من طموحنا، ففي فردوسه، سنتحرر من أوثان العدل والحرية والحق والمساواة، فلا حاجة لنا فيهم بعد انتهاء اللعبة وانطفاء الأحقاد. إنه يخبرنا إذا ما نحينا الوسائط جانبا أن كل شيء محض لعبة وأن الدماء المهدرة قد تكون في النهاية لازجاء الوقت وأن دنيانا لا تستهويه، حتى أنه أخفى نفسه كمفاجآة: قد لا أكون هنا أصلا، وقد لا تلتقون إلا العدم، أما الفردوس قد يكون سرابه ضروري كزمبلك اللعبة. إقطاعيوا الحسنات لديهم كل الحق في أن لا يحبون كارل ماركس، بينما البراجوزيون من أمثالي، العالقون بين نفاق الخير والمحبة المكبوتة للشر ، سينظرون إليه بعين من تزلف وعين من ريبة. بينما نعرف أن البروليتاريا ليست دائما على حق، حتى بعد أن بدلنا تسميتهم من أجراء إلى مستهلكين لعظات الكهان والثوار وفلول التوك شوز وخطب الجنرال. زبائن طيبون لن يثوروا أبدا –عكس البرجوازي- على سوء الخدمة. إنهم أنذال يا الله، ألهذا تحبهم كما أحبهم ماركس، لأن الأنذال، مساكين بالروح.
لم أعرف يوما من هو الثوري، يقولون أنه بين الناس، بلا تناقض ولا خيانة. ليس أنا ببساطة. ففي لعبة الكراسي الموسيقية تلك، لن يتبقى سوى كرسي واحد. والمنافسة شرسة وصدري المليء بغبار الإيمان والشك والدخان، لا يساعدني كثيرا، ولا يملك متسعا للقنابل المسيلة للدموع.
الثورة في مكان لم أنله، مطرود منها كطرد آدم من عدن، مكان لم يحدث، لأن خطيئتي في نظر الثوري "خطيئة أصلية" ملعون بها إلى الأبد. في غرف الاعتراف، سأخبر كهانها بكل شيء: يا أبتاه.. لم أقم صيام الصمت حين وجب، وفشلت في صياغة الكلام عندما أدركته. ولم أتطهر أبدا من إثم الكلام. ولم تغادر دماء لم أسفكها ياقة قميصي .
أنا أحب القديسين، الحقيقين منهم كفكرة مجردة، ولا أظنهم يحبونني. القديسون يحبون الجمر، ولا تقنعهم معجزات الشوك. أحب العائلة، أخون العائلة. أقدس هدوءها الطفولي وأضج من تكدسها بالسأم. الثوري قربانه ذبح العائلة والبرجوازي لا يذبح عائلته، يخونها، لكنه أبدا لا يذبحها. قالوا في بدايات قيامة مانعرفه أن الثوري شخص لا يخاف حكومات البطش، لكنه يخاف من أمه. كاذبون. كنت مطمئنا في البداية إلى تعريف كهذا، ومتعاميا عن كونه لا يصفني. أنا أحتقر البطش وأخافه، أحب أمي وكففت عن خشيتها. لقد كان ذلك قرباني، لكنه لم يقبل على مذبح الثورة ، ماذا أفعل وأنتم كالله تفضلون اللحم على الزرع؟. الثورة أصلا ضد العائلة. والعائلات تحب حفلات الشواء والنميمة، لقد حُبست العائلات طويلا داخل كهف أفلاطون، حتى أنها لم تعد تعرف أين تكمن المتع، يظنونها في جلوس هاديء أمام حلقات آراب أيدول، حيث ينتظر المحكمون والمتفرجون دوما انبعاث ثان لأم كلثوم في حنجرة ما. انبعاث لن يحدث. كما ينتظر المؤمنون المسيح والمقهورون العدل والثوريون كوميونة باريس، لو حدث الأمر لخروا صاعقين من رعب تجسد الأشباح. لا يحسن المرء دوما الحذر مما يتمناه.
لن أعرف أبدا من هو الثوري. لكنه دوما ما يعلق ذنب الدماء فوق قميصي. ويشير إلى نفسه بشيء براق ونظيف ولامع على حساب وساخاتي. أنا مسيحه. هو لا شيء دوني. فلينظر إلي نظرة أخيرة وهو معلق فوق صليبه، ليرى كيف يمشي المسيح البرجوازي في الأسواق بكلمات الوداعة ومداهنة الخير والشر كي يمنحه الخلاص. سينكرني ثلاثا.
الثوري؟ لن يعرفني أبدا

Wednesday, June 22, 2016

روح العظة


لحظات التنوير قد تأتيك أحيانا على هيئة مقصلة. ألم خاطف تكمن رقته في حسمه. كأن تكتشف 
مثلا أن الذنب الذي كشط حلاوة عمرك واستنزفك تماما كان محض ألعاب لغوية، بنية من وهم. وأن ما عرفته، تعرفه، ستعرفه  ليس إلا محض أمراض أسلوبية شائعة. سينهار حينها كل شيء، وينبت مكانه لا شيء جديد، لا ندري كنهه، ولا مساره ولا إلام يفضي.
لو تخيلت للحظات مالذي ينكشف لرأس مقطوعة لتخيلت نورا يشبه الظلمة ورنين التخلص من الرجاء، يتبعه صمت الخلاص. إدراك لا ينفع، لا يسعى لأي فعل لا تغيير الماضي أو الحاضر أو المستقبل. يتداخل الفردوس والجحيم عبر لحظة الإدراك تلك، يصيران شيئا واحدا متقلبا، فيسقط الخير والشر، وتمحى الفوارق الفاصلة بين القديس والشيطان.

لحظات التنوير؟ كيف يمكن التخلص من روح العظة إلا برأس يائسة، رأس مقطوعة.

Saturday, June 18, 2016

كمحض حطب للنار


في المظاهرات القليلة التي نزلتها، كنت أقاوم شيئين: السعال والاندماج. الحشود مخيفة. يبدو الحشد
 الثائر من أجل الحرية، كفكرة ضد الحرية تماما. حتى خارج الحشود، ونحن مستلقون على مقاعدنا أمام الكيبورد، نصرخ وننكر. يبدو تعريف الثورة من أجل الحرية كأنه يسعى لنزع الإنسان عن سياقه الإنساني وقدرته على اختيار حدود قوته واستسلامه وأماكن زلاته وضعفه،  وتجريده من كل شيء إلا كونه وقودا للنار. لا يملك الحطب روحا أو خيارات. الحطب جاف ومضح وميت ليس أمامه إلا مهمة واحدة: الاحتراق للنهاية.
 أكثر ما كان يخيفني في أول عامين في الثورة، لم يكن الموت الأعمى الذي كان يصطاد "الأرواح الناصعة" من  تلك الصفوف، بل الثورة نفسها. أتذكر إنني خلال العامين كنت أخشى أن أكتب رأيا مخالفا لاجماع حشد غامض، بدا كرب لا يمكن رؤيته إلا عبر تعاليمه المشددة، أكثر إرهابا مما ثرنا عليه. كانت مقاصل "الثوار" عمياء أيضا. كأن قلق 25 يناير، وتدفق الأجساد الغاضبة والمنتصرة والمستعدة للموت في 28 يناير، ويوتوبيا الاعتصام، حيث يتجاور الجميع، ضد العدو الواضح، لم يكن أكثر من جلسة نفاق على مائدة الأسرة، حيث كل شيء يمكن اخفاؤه تحت الطاولة و ومرواغة الكلام بالفم المليء بالطعام، ما أن انفضت المائدة حتى انكشف الطقس عن خواءه.  كانت المواجهة الأشد بين معتصمي الميدان في الأساس. فكما ظهرت الخيانات "الإخوانية"، ظهرت "التعاليم" التوراتية لثورة تحرم وتحلل. تنفي وتطرد كرب، بينما هي مطاردة ومنفية كالشياطين من جنة عدن، وكالملائكة في بابل. ألم ندرك شيئا من بؤس هذا الطرد النهائي، واليأس الذي يولده غلق الرحمة؟.
 صمت وأنا أرى الأصوات التي تتحدث عن صوت واحد نهائي، ضخم كحشد في ميدان، السياسة تؤكل صوتا بعد صوت، تنفى لصالح أصوات حاخامات بلا معابد، كل نور يصلح للبناء حوله يطفيء بالبصاق، لم أكن أملك رأيا. كنت عند رأي الحشد، خوفا من الطرد. كنت حطبا. نزلت عدة مرات بعد ذلك بدافع الخجل والذنب. كنت أسمع الصوت القائل: أن الثورة ليست وجهة نظر. فأدفن رأسي خجلا، هل أملك حقا أن أدخر روحي وجسدي لخيارات أخرى؟ لم أكن بالطبع أملك الحقيقة، لم أكن أعرف أي المسارات أفضل. لكني أعلم أيضا أن إنساينتي كانت مهدرة، وأن مهمة التفكير كانت على عاتق كتاب التعاليم الغامض غير المكتوب الذي يديره كهنوت مغلق على نفسه. ففي هذا الكتاب السلفي: الكل خائن. ولا أحد يتحمل غضبة رب غامض تم تأليفه سرا وبغتة، يضاف إلى تعاليمه كل يوم تعليمات أشد قسوة. قد تكون أيضا خياراتي السرية خاطئة، لكنها لم تظهر إلى العلن بقوة الخوف. ماذا فعلت؟ لعبت اللعبة نفسها في النهاية أن أقاتل الآخرين كبربري  على سيادة صوت واحد لحشد بلا عقل. في آخر  حشد نزلته عند نقابة الصحفيين، كانت الأصوات القميئة تصرخ: اللي مش هينزل مش راجل. تلك المرة غالبت القيء لا الذنب. وتحاشيت السعال والاندماج في الحشد.
الآن، بعد الهزيمة الكاملة، وبعد أن عاد الخوف إلى مساره الطبيعي من العدو  الواضح . لا حماس لشيء. فقط حسرة وأمل كلما نبت دفناه. فالأمل مخيف أكثر من اليأس. لا يمكن للثورة إلا أن تكون ديكتاتورية، هكذا قال لينين، هكذا أكل الأرواح بعد انتصاره. مآساة مغلفة ببهجة الأناشيد. هزيمة يقودها الانتصار. ضعفاء يحتقرون الضعف.
الاتكاء على فساد الآخرين كمرآة للطهارة والنصاعة، كان يأكل شيئا ما في أرواحنا. يجعلنا نألف شيئا فشيئا هذا الفساد، يكسبنا قيمة وهمية، يجعلنا بشكل أو بآخر مستفيدين من وجود العفن طالما يبرز النقاء. يجعل الأراجوزات مسلية، ويحولهم من عفن  إلى ملح يجعل الطبخة أجمل، تلك الطبخة أكلناها وتبرزناها ثم عزينا أنفسنا بسوء صنعة الطباخ. القبح الذي ظننا أنه يجعلنا أجمل، أشعل الوهن بأسطورة أن الحق منتصر لمجرد كونه الحق. كأن الغباء لم يشكل العالم، كأن من هم خارج سياق التاريخ قد لا يضعون التاريخ كعدو يمكن التهامه.
كيف يرضى المرء باكتساب جماله من قبح ما حوله؟
في النهاية ورغم كل شيء، كانت الثورة هي أفضل ما حدث لي، بهجة مستحيلة، لقد غيرت حياتي ودماغي نهائيا وإلى الأبد، رغم وهن الروح والإيمان بتفاهة الجسد حد ادخاره لاقتناص اللطف  في الغرفة الهادئة التي لا تطل على الصخب.
 لعل الثورات تقوم من أجل نفس نقي لدقائق لا أكثر ولا أقل، يقول جي إم كوتزي لبول أوستر  في مراسلاتهما ربما ذلك أقصى ما في الثورات، ربما ذلك أقصى ما ينبغي أن ينتظره منها المرء، أسبوع أو اثنان من الحرية، البهجة بما لدى المرء من قوة وجمال قبل أن تحكم الشيخوخة الرمادية قبضتها وتعود الحياة إلى عهدها الأول"
انفض الجمع. وانتصر العدو  ولم يشبع من افتراس الأرواح "الناصعة " كعقاب إلهي على القيام بثورة. انهزمت أصواتنا، لكنها لم تغير نظرتها الإلهية لنا كمحض حطب للنار.


Tuesday, June 14, 2016

أنتيكخانة للعشاق

-1-
شفتِك
وانتى شايلة حمل الازار
وبتلضمى المقطوع
وبتخافى
أحسن تسهى
وتعشقى حاجة
لاتنكسر
-2-
هشرب كل حاجة
م الابرة أم تعريفة
للغنوة أم صاغ
صوتى شايل حبايبه
على اسطوانة مشروخة
"بعد العِشا"..
بيبرد كل شىء
عندى ..جرامافون قديم
بعته فى مزاد للأنتيكات والتحف
تمن الحاجات بتزيد
لما تتحول لأنتيكة
"بعد العِشا "..بتعضنى الساعة
الزمن بيتحول
لشزلونج للعيانين
هما هما ..ما اتغيروش أبدا
اللى لسة بشوق
بيحكوا
عن الابرة أم تعريفة
والغنوة أم صاغ
-3-
اتخض
لما حس إن اللى يعرفه
عن غابات القسوة اللى جواه
مش كتير
وإن عصير البرتقان اللى فى روحه
مش
كفاية
اتخض أكتر
لما اكتشف ان القسوة
ممكن تاخد أشكال ياما
لدرجة ممكن تخليها
فى منتهى النعومة والجمال
لما نزل من بيتهم
ابتسم للصبح
وللناس
وللعمارات
وللأسفلت
ولسواقين الميكروباص
اللى مارضوش يقفوله
ماكانش عايزيقولهم
إنه طيب أوى
هو يدوبك
كان عايز يطمن روحه
-4-
على كتف صندوق الزبالة
قطط سعيدة
وقط بيغنى لوليفته
عن الحنان
وقطة بتناغش عيالها
وتفتش بصبر
عن اللى باقى ..من بقايا الناس
وينفع
للعشوة الملوكى
ولليلة هادية
من الوصال
-5-
عشقنى ورد
فخبيته فى دمى
من ناس ماعشقتهوش
الناس اللى دايما
فى إيدهم ورد
بيلاعبوا بيه الدنيا ع المشاريب
الدنيا اللى دايما
مخبية كارت
مدرياه فى دمى
من ناس ماعشقتهوش
-6-
حتى
لما انحنى الوقت للعشاق
وحطهم على العرش
كل اللى قدروا يملكوه
شال حرير
وعقد فل
وخصلة من شعر أسمهان
وصندوق مزيكة
-7-
قام العجوز
يحيى ساعة الفجر
اتوضى من نور جبينه
أربع ملايكة وعفريتين من جن
نام الشيطان على جمر
نده العزيز :ياقوى
رد القوى :ياعزيز
وعند عتب الباب
رفع الآدان على كتفه
واستناخ له الطريق
فى السما
انكتبله النخل
والأرض باهت بيه
أربع ملايكة
وعفريتين من جن
قامت وقالت للعزيز:ياقوى
نده القوى :ياعزيز
-8-
شال الحمام شاله
لبياع عنب
وانحنت أسراب كتير من نمل
للكناس..
رفعوا الملايكة ست حبلى
للدور الحداشر
وغطوا نص رغيف
لواحد جعان
والسر رغم وعورته وإنفته م الخلق
فتح قلبه ببساطة للمجذوب
....
وحده كرباج الأمير
هو اللى لسوع وحدته
وقلقلوه الشياطين
فى النومة

-9-
هتسمينى فرقع لوز
وتركبنى على حمارة
شكلها مضحك
ومالهاش سرج
هسميها سندريلا
وأنا الأميرالوسيم
على فرس أبيض
وشفايفى أجمل م النبيت
مع إنى فرقع لوز
راكب على حمارة
شكلها مضحك
ومالهاش سرج
-10-

ست بتكبر
كل ما ياكلها الوقت
تأكل وشها مكياج
ست
بأوامر الدكتور
بتحزن بشويش
ولكن غصبن عنها
بتفرح على غفلة
شالها الوقت ..فشالت وياه
عداها الوقت ..فما بقتش تعد الأيام
"بشويش ..
بشويش"
صرخت أم العضم أخف
من بصبصة الجار
والنسمة اللى بيحدفها الشيش
-11-
فى شارعنا
ميكانيكى اسمه "على "
شاورت عليه الحدايات
فاتحول لقرنى ..
فى شارعهم
كانت سعاد بتغسل الكمترى
عشان وقت أبيض وناعم
شاورت عليها الحدايات
فباعها "على"
للعيال ع الناصية
وللحدايات
........
فى قلبى
شوارع كتير بتغسل الكمترى
للعيال ع الناصية
ويوماتى
بغافل الحدايات
مرة بعمل عبيط فى مولد
ومرة مجذوب فى حضرة
عشان ما تعرفنيش
-12-
فتشت فى ذكرياتِك
فى دولاب هدومِك
عنه
الحبيب
اللى سنة قلبه لولى
وشفايفه تين
واللى دايما زى سور
بينى وما بينِك
فتشت
بحرقة العاشق
ولوعة المخدوع
مالقتوش
مع أنه دايما زى سور
بينى وما بينِِك
-13-
القهوجى اللطيف
الى اسمه عادل
فهمنى درس لطيف
إن المخدوعين هما بس
اللى بيأيدوا الحب ع النوتة
وإن الحكمة اللى تنفع
واحنا بنتستقبل نهارنا
إن الشكك ممنوع
وإن حتى الابتسامة
لازمها تيبس
.......
لما قابلتها
واجهتها بالنوتة
اللى شايلة حساب مشاعرى
شالت مشالها
وجريت
تدور ع الحساب التقيل
عند ناس غيرى
سابتلهم
مشاعرها ع النوتة 
Top of Form
* أحمد الفخراني 2007

7 دروس مستقاة من أحمد ناجي


سجن أحمد ناجي، هو حكم محكمة بإدانة الذكاء والموهبة لا خدش الحياء. سيكره ناجي –قطعا- كل محاولات تحويله إلى "فلكلور شعبي". تعيش كتاباته في الأساس كمنجل قاس لحشائش الماضي والأيقونات التي تتحول إلى سم زعاف، أو معرفة تحجب المعرفة. لكن لاطالما كان أحمد ناجي، مثيرا للأسئلة، قاتل محترف لخرافات، محطما لأساطير الوعي الجمعي. الوعي الجمعي قد يصيب إجمالا، لكنه يخطيء تفصيلا. الوعي الجمعي ابن غريزة البقاء، حتى أنه لا يعي إنه في سعيه لطرد شبح الموت لا يحمي إلا الموت ذاته، وعي ناجي الفردي، هو ابن ذكاء تقصي الموت لاكتشاف المعنى المحجوب للحياة.
سجن ناجي في الأساس هو إدانة للمحكمة التي أخرجت أرنب الحقيقة "الداعشية" من قبعة الدستور المسحورة. حرب ناجي/حربنا، لم تكن ضد القاضي الذي أخبرنا في حيثيات حكمه أن دستورنا هو دستور للقرون الوسطى، يمكن استعماله كمحكمة تفتيش تطارد السحرة والمهرطقين وخادشي الحياء والخيال ومحاولة استشراف ما بعد "جحيم القاهرة"، لحماية "العائلة" وأخلاقها. جحيم في الأساس صنعته نفس الأفكار التي أدانت ناجي وروايته "استخدام الحياة".
المسارات فشلت، يخبرنا ناجي، والعدم وحده، هو الحقيقة الناصعة. العدم هنا ليس اختيارا مجانيا، بل هو الأكثر تفاؤلا وصدقا من الأمل ذاته. حيث يتحول "الأمل" من قبل حراس المعرفة والخيال من "معسكرنا" نفسه إلى "حقن" بوتكس" تأمل في أن يكون المسار الذي أنتج النظام أقل توحشا وأكثر لطفا.
الأمل في المسارات القديمة، في إصلاح الجذور، تجديد الخطاب، محض كذبة، ابنة سموم التنمية البشرية والأثر الباقي لانتظار المعجزة. هذا الأثر القابض ليس فقط في "المعسكر الآخر" بل أثر قابض على نفوس معسكر المثقفين والأدباء أنفسهم.
المثقفون –بلا تعميم- لم يتخلصوا من تلك الفكرة بعد: "بابا كان محقا في إدانتي، لكن علي أن أتمسك بفكرة ماما أنه لم يكن على بابا أن يكون قاسيا في حكم الإدانة، العتاب أفضل من الضرب". آراء بعض المثقفين لم تخرج عن تلك الفكرة، أنهم من داخلهم يصدقون فكرة أن النص مدان، لكنه يتجادلون في أنه " مش لدرجة تحبسه".
حرب ناجي كانت ضد مثقفين، ومارة وعابري سبيل، قراء صدفة، صحافة تقتات على النوستالجيا وتتعمد تثبيت الصورة، وكلاء نيابة حصلوا على مجموع متدن في نظام تعليمي فاشل.
وكيل النيابة، لم يكن خاليا من "ثقافة" أو "معرفة"، على العكس قام باستدعاء" ثقافته" و"معرفته" في مواجهة" ثقافة" و"معرفة" ناجي. ثقافة وكيل النيابة البالية ولكن "المكرسة والمجازة" انتصرت في النهاية.
في حكم الدرجة الأولى حيث حصل ناجي على البراءة، لم تكن هناك وسيلة لإدانة الاتهام إلا عبر كتب التراث "المكرسة والمجازة التي استخدمت "ألفاظ ناجي". الاستخدام نفسه الذي يدرك "ناصر أمين" محام ناجي تناقضه، ولكنها كانت حيلته/حيلتنا الأخيرة القادرة على النجاة.
هنا تحديدا يكمن الفخ الذي يعيشه مثقفونا يوميا، كل ما تُنصح بقراءته، كل ما هو مكرس، كل ما هو مجاز، كل الكتب الشهيرة التي قد تستفيض وتتعب لتحصيلها، قد تفضي بك إلى محض حارس لمعرفة ميتة، قد تَقتل وتُقتل دفاعا عن تكريسها. معرفة تمنع معرفة، تعيق الرؤية. قد تحيلك -وأنت تظن العكس- إلى محض رجعي "تنويري"، أو محض مثرثر، بالون منفوخ بكلمات لا تفسر الزمن وترسخ الموت.
لازلت أذكر بأسى. شاعر يخطو نحو الأربعين، لم يحقق أي شيء في حياته، ولا حتى قصيدة بها بيت يمكن تذكره. كان يدير قسم الثقافة بجريدة خاصة كبرى" –ابنة صحافة تثبيت الصورة والكيتش- يعامله الجميع بمهابة العارف، ويعامل الجميع بغطرسة" الموهوب الحكيم". أخبرني "الحكيم" ذات مرة عن تصوره لمستقبل مصر" يمكن لو تكاتفنا أن نعود بمصر إلى الأربعينات"، يقصد حركة التنوير المصرية وقتها. لكن ما تخفيه تلك الجملة البراقة، هي محاولات حراس" المعرفة" لتثبيت الزمن في الماضي وإيقافه عن التقدم إلى المستقبل. الماضي هو العزاء الوحيد هذا لهذا الشاعر عن فشل معرفته وفشل تحققه، فالماضي هو زمن لا يمكن إمساكه. عندما لا يتقدم الزمن لن يهزمه أحد، فكلنا نتساوى في الماضي. تصبح الحجة هي أن لا جديد صالح، كلكم فشلة لأنكم لم تعثروا على الماضي، ولم يظهر في أجسادكم الانبعاث الثاني للأسلاف المكرسين. صارت واحدة من علامات حراس "الماضي" بالنسبة لي هو أنهم لا يقرأون إلا ما يقرأه هذا الشاعر، "بروتوكولات حكماء ريش" و"هكذا تكلم زرادشت". فهم لا يقرأون إلا الكتب" المكرسة" و"المجازة". ثم يملكون "الصفاقة" ليخبرونا أن كل كتب" المستقبل" فاشلة، فهي لم تكتب في الماضي، ولم تعتمدها "الوزارة".





[i] العنوان مستوحى من نص لناجي بعنوان 7 دروس مستقاة من أحمد مكي